أحمد عمر بن فريد يكتب لـ(اليوم الثامن):

"مجلس القيادة الرئاسي" سيبقى عاجزا ما لم يواجه تناقضاته وتحدياته الكبيرة!

برلين

في الـ7 من أبريل 2022 تم تشكيل مجلس القيادة الرئاسي اليمني عندما تنازل الرئيس اليمني السابق / عبدربه منصور هادي, بموجب قرار جمهوري، عن كامل صلاحيته الرئاسية وصلاحيات نائبه لصالح المجلس الذي تشكل برئاسة السيد / رشاد محمد العليمي , وضم الى جانبه سبعة اعضاء آخرين يمثلون الى حد كبير مختلف القوى السياسية المتواجدة بفعالية تحت مظلة " الشرعية اليمنية " التي تواجه مشروع ايران في اليمن والذي تمثله جماعة الحوثي .

وجاء هذا التغيير الهام بعد قرابة الثمان سنوات من حرب شاملة واجهت فيها الشرعية اليمنية جنبا الى جنب مع التحالف العربي هذه الجماعة المتمردة، الا انها والى حد كبير " فشلت " في تحقيق اهدافها العسكرية، خاصة في المحافظات الشمالية او في مجمل المساحة الجغرافية للجمهورية العربية اليمنية باستثناء اجزاء صغيرة من محافظات مأرب وتعز والحديدة.. وخلاف ذلك فهو حتى اللحظة تحت هيمنة مطلقة لجماعة الحوثيين. 

في تقديري الشخصي ان واحدا من أهم عوامل فشل الشرعية اليمنية في تحقيق أهدافها العسكرية ضد الحوثيين يتمثل في تركيز قواها السياسية والعسكرية حينها ,وتحديدا حزب التجمع اليمني للاصلاح ومختلف اذرعه, على الجنوب الجيوسياسي ومايحدث فيه بهدف الهيمنة عليه كـ"اولوية سياسية – عسكرية " مطلقة تسبق في حساباتهم تحقيق اي أهداف استراتيجية أخرى بما في ذلك الانتصارات العسكرية الممكنة في الشمال ضد جماعة الحوثي.

واستطاع هذا الحزب ورموزه التي كانت تهيمن على الشرعية حينها ان تؤثر حتى على استراتيجة التحالف العربي في الحرب، وان تخلط الاوراق , الى الحد الذي نتج عنه وجود " اشكاليات  وتناقضات " حتى في صفوف التحالف العربي  ذاته. 

    وكان واضحا أن الهدف الرئيسي من كل ذلك العبث، الذي قادته قوى " الاصلاح " حينها ومن تحالف معها , والذي نتجت عنه صراعات عسكرية وسفك دماء زكية على أرض الجنوب وخاصة في محافظات شبوة – ابين – وعدن , هو الهيمنة المطلقة على كامل المساحة الجغرافية للجنوب ومن ثم  " تصفية قضيته السياسية " كنتيجة طبيعية لتلك الهيمنة , تحت مبرر بسط نفوذ الشرعية على كافة " الأراضي المحررة " باعتبار أن قضية الجنوب هي قضية سياسية قد تم حلها وفقا لمخرجات الحوار اليمني 2014 ! 

   الآن.. وقد مضى على تشكيل مجلس القيادة الرئاسي قرابة العامين، يبدو واضحا ان هذا المجلس يفتقد الى الكثير من الحلول التي يمكن ان يواجه بها مجموعة " تناقضاته الداخلية " و" تحدياته الخارجية " العديدة والخطيرة في نفس الوقت , والتي تجعل من المجلس كالذي يستند الى " برميل بارود " قابل للاشتعال او الانفجار في أية لحظة ..! .. في هذه المقالة سوف الخص مجموعة من هذه التناقضات والتحديات الخطيرة التي تمثل في الحقيقة " تهديد وجودي " للجميع بلا استثناء، والتي في امكان مجلس القيادة معالجتها وتقديم حلول جذرية لها اذا ما أحسن التعامل معها بجدية ومسؤولية كبيرة. 

أولا : فشل مجلس القيادة - حتى الآن على الأقل – في ادارة حوار حقيقي ذا ابعاد استراتيجية , فيما بين قواه السياسية يتسم بالشفافية المطلقة , والمسؤولية الكاملة التي يمكن ان ينتج عنها حالة " توافق مسؤول " حول مجموعة التناقضات السياسية او الاجندات التي يحملها الاعضاء في مشاريعهم السياسية المتناقضة, وعلى رأس هذه القضايا الى جانب قضايا أخرى هامة , " قضية الجنوب " التي يمثل التوافق حول " كيفية حلها " فيما بين اعضاء مجلس القيادة واحدا من أهم اسرار واسباب نجاح المجلس, ففي حال تم التوافق حول كيفية حل هذه القضية الوطنية المحورية , والالتزام التام بتبني هذا الحل والدفاع عنه باعتباره يمثل ويهم الجميع , فسيعني ذلك تحقيق أهم شرط لتوحيد الجهود تجاه العدو الاستراتيجي الأول وهو المشروع الحوثي في اليمن , وسيشعر الجنوبيون مع وجود ضمانات خليجية لكيفية حل قضيتهم المركزية ان قد تم تأمين ظهرهم , لتنجلي بعد ذلك شكوكهم المشروعة من امكانية " الطعن من الخلف " كما حدث لهم في محطات عديدة سابقة . 

   وعلى حد علمي.. لا شيء من هذا الحوار الجاد، بأبعاده التي ذكرتها قد حدث فيما بين الأعضاء، بل ان الأدهى والأمر هو وجود " علامات " تنبئ بأن قيادة المجلس لا زالت – بقليل أو بكثير – تتعامل مع قضية الجنوب بطريقة تكتيكية تعتمد على المتغيرات والظروف السياسية وما يحدث على الأرض، وهي بذلك تسير على نفس المنوال السابق الذي كانت تتعامل به قوى الشرعية مع الجنوب وقضيته في مرحلة ما قبل تشكيل مجلس القيادة الرئاسي , وكأن شيئا لم يتغير, مع اختلاف بسيط يتمثل في تبدل في " الوسيلة " فقط .. حيث تبدلت وسيلة السلاح والحرب الى وسيلة " السياسة " و " صناعة الافخاخ " خاصة تلك التي تهدف الى تفكيك الوحدة الوطنية للجنوبية من خلال خلق قضايا محلية عديدة في الجنوب كما شاهدنا ذلك مؤخرا!.

      وفي هذا المنوال يمكن القول إن مجلس القيادة الرئاسي قد فشل حتى الآن على الأقل في تصفير التناقضات الداخلية من جهة , وتحديد الاولويات وبناء الثقة وتقديم الضمانات من جهة أخرى لكل ما يتعلق بقضايا الجبهة الداخلية ومنها على سبيل المثال الموقف الجماعي الموحد , والواضح من " قضية الجنوب " بما يتمثل في احترام ارادة شعب الجنوب ووحدته الوطنية وعدم العبث بها كما يحدث حاليا , كما فشل ايضا في تحديد موقف واضح من جماعات الاسلام السياسي ,والجماعات الارهابية وتحديدها بالاسم وتحديد عناصرها وكيفية تجفيف منابعها ومواجهتها عسكريا وامنيا واقتصاديا افرادا كانت او جماعات .

ثانيا: فشل المجلس الرئاسي حتى الآن في وضع برنامج اقتصادي شامل، قادر على حماية نفسه، وتطوير ذاته، ومقدرته على الاستمرارية والنمو ومواجهة كافة التحديات الخدمية والمالية والتموينية وامدادات الطاقة وكل ما يتعلق بحياة المواطن البسيط.. فلا تعدد الودائع المالية بين حين وآخر قادر على تقديم حلول جذرية، ولا تغيير رئيس حكومة بآخر سيقدم الحل الشامل لمركب يحتاج الى اصلاحات شاملة. 

ثالثا: فشل مجلس القيادة الرئاسي في تحديد موقف سياسي مبدْي موحد من " جماعة الحوثي " ومشروعها السياسي بشكل قطعي، وواضح.. ناتج عن موقف وطني موحد , يتمثل في تقديري الشخصي – ان اليمن – بشماله وجنوبه – لا يمكن ان يتعايش او يستقر مع وجود هذا المشروع الايراني المتخلف حيا بين ثناياه , وان هذا الموقف هو الاساس الذي يجب أن تبنى عليه كافة الاستراتيجيات على مختلف الأصعدة , كما وان هذا الموقف لا يقبل التفاوض أو التنازلات , وانه لا يخضع لإرادات القوى الخارجية ومصالحها وخاصة الدولية منها باعتباره شأن وطني داخلي  , في حين يبدو من الواضح جدا في وقتنا الراهن أن موقفنا الحالي من هذه الجماعة ليس ناتجا عن " ارادة يمنية " خالصة , بقدر ماهو ناتج عن ارادة خارجية بنسبة 100 % .. فهذه الارادة الخارجية هي التي تقرر " امكانية السلام " في هذه المرحلة مع الحوثيين من عدمها , وهي التي تقرر" امكانية الحرب " في مرحلة أخرى... وهي التي تصنف الجماعة ك " جماعة ارهابية " في هذه المرحلة .. وهي التي يمكن أن ترفع عنهم هذه التصنيف في مرحلة اخرى.. أي اننا في مجموعنا كقوى مناؤة لهذه الجماعة، وكـ" متضرر وجودي " منها وهو أهم ما في الأمر كله.. أن لا حول لنا ولاقوة ..في حين اننا " نحن " و " نحن فقط " من يجب ويفترض عليه ان يقرر وبارادة وطنية صلبة. 

رابعا – فشل مجلس القيادة الرئاسي في تطوير مقاربة واضحة جدا مع الدول الغربية ..! فلايوجد لدينا حتى اجابات واضحة ودقيقة ومقنعة لمجموعى الأسئلة الذي تقول : ماذا يريد الغرب من اليمن , وماذا يريد لليمن ككل ؟ .. ما هو موقفه من جماعة الحوثيين ومشروعهم السياسي بشكل واضح ؟ .. ثم ماهو موقفهم من " قضية الجنوب " وارادة شعب الجنوب ؟ .. وماذا نريد نحن من هذا الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا ؟ .. ولماذا منعوا قوى الشرعية من تحرير الحديدة عندما كانت على وشك تحرير المدينة ؟ .. ولماذا مكنوا الحوثي بعد ذلك من ذات المدينة وفقا لاتفاق ستوكهولم ؟ .. ومالذي تغيراليوم حتى يصنفوا الجماعة بأنها بجماعة ارهابية في حين انها نفس الجماعة بسلوكياتها واعمالها الارهابية منذ نشأتها ؟! .. هل لأن مصالحهم تضررت الآن ؟ أم لأنها في مجملها عبارة عن " لعبة سياسية كبيرة " تتجاوز اليمن الى ماهو ابعد من ذلك من قضايا كبيرة تتعلق بالأمن القومي العربي ككل وخاصة أمن الخليج والمملكة العربية السعودية على وجه التحديد ؟ .. واذا كان الغرب هو الذي يصنف الجماعة ويرفع التنصنيف عنها متى رغب في ذلك,اوليس من حقنا نحن اصحاب الشأن ان 

 نصنف" هذه الجماعة بأنها جماعة ارهابية واننا لا يمكن ان نتعامل معها او نعقد معها أي شكل من اشكال السلام ؟ 

    ثم .. هل يريد ان يقنعي ايا كان , ان الغرب الذي قضى على صدام حسين في حرب لم تستغرق شهرين , وتمكن من تحديد مكان اسامة بن لادن وقضى عليه , وكذلك قاسم سليماني لا يستطيع ان يقضي على عبدالملك الحوثي او هذه الجماعة التي تنفذ مخطط ايراني في جنوب الجزيرة العربية ؟!! .. هل العقل العربي واليمني على وجه التحديد لا يضع اي اعتبار لمثل هذه الاسئلة الجوهرية ما تعنيه ؟  .. وهي في مجموعها يمكن ان تشكل حوار شفاف وجاد مع هذه الدول الغربية بدلا من زيارات البذخ والمجاملات والكذب على الذات والقبول بدور " المستغفل الساذج " الذي نقوم به منذ 2015 حتى يومنا هذا! 

هذه الاسئلة الكثيرة وغيرها ممن لم يذكر.. تحتاج الى اجابات واضحة ودقيقة، كي ينتج عنها " موقف سياسي استراتيجي ".. الأمر الذي لا يملكه مجلس القيادة الرئاسي حتى الآن ! .. قد يقول قائل : يا عزيزي .. رحم الله امرؤ عرف قدر نفسه , نحن في حالة ضعف شديد ولا نملك القدرة على مواجهة مثل هذه التحديات الكبيرة .. !! في تقديري ان مثل هذه التبريرات هي اكبر واخطر معاول الهدم التي تقتل الذات وتحطم الارادة الوطنية وتصنع العجز وتكبلنا جميعا بقيود الموت والهلاك المؤكد .. 

خامسا – لا زالنا حتى اليوم , نشكل على التحالف العربي وخاصة على الشريكين الرئيسين المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة " عبء كبير " و " حليف " لم يقدم نفسه بما يرقى الى الطموحات والآمال الكبيرة التي علقت عليه .. ولا زالت صراعات القوى اليمنية بحسب ما ذكرت اعلاه , تقحم نفسها في صلب قضايا التحالف الرئيسية لتتحول الى عامل " معطل " لم يكن في الحسبان, الأمر الذي اضعف قيمة معسكر الشرعية وجعلهم يسيرون في اغلب الأحيان دون تخيير , وافقدهم حتى ذلك الحد الأدنى مما يمكن ان نسميه بالتكافؤ الايجابي المطلوب أو الندية , فتحول هذا المعسكر من قيمة سياسية كبيرة تمثل موروث دولة , الى قيمة سياسية " خفيفة الوزن " !  ..وفي تقديري الشخصي انه تقع على التحالف العربي مسؤولية تشجيع مجلس القيادة الرئاسي على ادارة حوارات جادة تجاه مختلف قضاياه وعلاقاته الداخلية والخارجية لهدف حل جميع تناقضاته ووضع خطط مشتركة لمواجهة تحدياته العسكرية والاقتصادية والسياسية , باعتبار ان عدم وجود ذلك يمثل في حقيقة الأمر استمرار " انتاج الفشل " الذي وصلنا الى ما نحن عليه حاليا , ومن الطبيعي جدا ان يكون التحالف العربي ذاته هو اول المتضررين من استمرار هذا الهوان والضعف الذي كتب علينا جميعا.

أحمد عمر بن فريد