عبدالرحمن الخضر يكتب لـ(اليوم الثامن):
الحرب الأمريكية على الحوثيين في اليمن - أبعاد سياسية وتساؤلات مفتوحة
بالأمس، شهدنا بداية فصل جديد في الصراع اليمني، حيث أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية غارات عسكرية على مناطق تخضع لسيطرة جماعة أنصار الله الحوثيين، تحت ذريعة حماية أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب. جاءت هذه العمليات كرد مباشر على تهديدات الحوثيين باستئناف استهداف السفن الإسرائيلية، تضامنًا مع الفلسطينيين في غزة. واليوم، تتواصل الغارات الأمريكية، مستهدفة مواقع في عدة محافظات، مصحوبة بخطاب حاد من الرئيس دونالد ترامب وجه فيه تحذيرًا صريحًا لإيران، معتبرًا أن أي تحرك عسكري للحوثيين ينطلق من طهران، وملوحًا بعواقب وخيمة. لكن المشهد لا يخلو من تناقضات وتساؤلات تثير الجدل حول النوايا الحقيقية للسياسة الأمريكية في المنطقة.
من أبرز ما يثير الحيرة في هذا السياق هو تصريح وزير الخارجية الأمريكي الذي قال فيه إن "حرب اليمن لا تهمنا". هذا التصريح، الذي قد يبدو عابرًا، حمل في طياته -بحسب بعض المحللين- رسالة موجهة للحوثيين، مفادها أن الولايات المتحدة قد تتغاضى عنهم إذا ما امتثلوا لشروطها. لكن هذا النهج يتعارض مع التصنيف الأمريكي للحوثيين كجماعة إرهابية دولية، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كانت أمريكا جادة في مواجهة الحوثيين كتهديد إرهابي، فلماذا لا تعتمد على القرارات الدولية التي تصنف الحوثيين كمليشيا انقلابية، وتدعم السلطة الشرعية المعترف بها دوليًا لاستعادة السيطرة؟
بدلاً من ذلك، نرى استبعادًا واضحًا للسلطة الشرعية اليمنية من المعادلة، رغم أن قرارات مجلس الأمن الدولي، مثل القرار 2216، تنص صراحة على ضرورة عودة الحكومة الشرعية وإنهاء الانقلاب الحوثي. هذا الاستبعاد ليس جديدًا، بل يعيد إلى الأذهان موقف الولايات المتحدة عام 2018 عندما منعت تحرير مدينة الحديدة من الحوثيين، رغم أهميتها الاستراتيجية كميناء رئيسي يغذي عمليات الجماعة.
ما يحدث اليوم ليس مجرد عمل عسكري محدود، بل يحمل أبعادًا سياسية بعيدة المدى. خطاب ترامب تجاه إيران يشير إلى أن الولايات المتحدة ترى في الحوثيين أداة في يد طهران، وأن الحرب على اليمن قد تكون جزءًا من استراتيجية أوسع للضغط على إيران، سواء في ملفها النووي أو نفوذها الإقليمي. لكن هذا التفسير لا يفسر التجاهل الأمريكي لدور السلطة الشرعية والتحالف العربي، اللذين يمتلكان القدرة على مواجهة الحوثيين على الأرض بدعم دولي.
أمريكا قد تكون تسعى لفرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، تكون فيها واشنطن اللاعب الوحيد الذي يملك زمام المبادرة، بعيدًا عن أي شركاء محليين قد يعقدون حساباتها. هذا النهج يذكرنا بسياسات سابقة خلال عهد الرئيس جو بايدن، حيث بدا أن أمريكا تتعمد إبقاء الوضع اليمني معلقًا دون حل حاسم، ربما لضمان استمرار حالة الفوضى التي تخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، مثل السيطرة على ممرات الملاحة البحرية وإضعاف أي قوة محلية قد تتحدى هيمنتها.
إذا كانت الولايات المتحدة جادة في القضاء على تهديد الحوثيين، فلماذا لا تستفيد من القرارات الدولية لتفعيل دور القوات الشرعية اليمنية ودول التحالف؟ ولماذا تستمر في تجاهل الحكومة الشرعية رغم أنها الطرف الشرعي الوحيد المعترف به دوليًا؟ الإجابة قد تكمن في أن الحرب على الحوثيين ليست الهدف النهائي، بل وسيلة لتحقيق أهداف أخرى، سواء كانت تصفية حسابات مع إيران أو ضمان استمرار السيطرة على البحر الأحمر وباب المندب، وهي ممرات حيوية للتجارة العالمية.
ما يحدث اليوم يشير إلى سيناريو مفتوح قد يشهد تصعيدًا أكبر، لكن بعيدًا عن الحلول الجذرية التي قد تنهي الأزمة اليمنية. فالولايات المتحدة، التي لطالما دعمت أنظمة وتنظيمات تخدم مصالحها، قد تكون ترى في استمرار الصراع فرصة لتعزيز نفوذها، بينما تبقى المنطقة رهينة حسابات القوى الكبرى.
الحرب الأمريكية على الحوثيين، كما تبدو اليوم، ليست مجرد رد فعل على تهديدات الملاحة البحرية، بل جزء من لعبة سياسية معقدة. استبعاد السلطة الشرعية، والتركيز على إيران، والتناقضات في الخطاب الأمريكي، كلها تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تكون تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة بعيدًا عن الواقع اليمني وما يتطلبه من حلول شاملة. فهل ستشهد المنطقة تطورات تقلب المعادلة، أم أننا أمام فصل جديد من الصراع الطويل الذي يخدم مصالح القوى الكبرى على حساب استقرار اليمن والمنطقة؟ الإجابة تظل معلقة، في انتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة.