عبدالرحمن الخضر يكتب لـ(اليوم الثامن):
أزمة اليمن.. من جذور الاستعمار إلى استراتيجيات الوحدة
تتداخل طبقات التاريخ والسياسة والأيديولوجيات التي تركت بصماتها الواضحة على واقع اليمن المعاصر، لكن بدلاً من الاكتفاء بقراءة هذا التاريخ كمجرد سرد للأحداث، حان الوقت لتحويله إلى خارطة طريق عملية للمستقبل. بريطانيا احتلت الجنوب اليمني لمدة 129 عامًا، منذ سيطرتها على عدن في 1839 وحتى الاستقلال في 1967، تاركةً وراءها حدودًا جغرافية وسياسية لم تكن مجرد خطوط على الخريطة، بل صراعات عميقة حول الهوية والسلطة. في الشمال، كان نظام الإمامة يمثل ركيزة دينية وسياسية، بينما سعى الجنوب لتشكيل هويته تحت شعارات مختلفة، من ثورة أكتوبر إلى "دولة الجنوب العربي". هذا الإرث التاريخي، مع تدخلات القوى الخارجية، جعل اليمن مسرحًا لصراعات متشابكة، لكن المستقبل لن يُبنى بالتأمل في الماضي، بل باتخاذ خطوات جريئة نحو الوحدة والاستقلال.
لطالما كان الاستعمار البريطاني رمزًا لتقسيم الشعوب، حيث اعتمدت استراتيجيات إدارية وعسكرية لخدمة مصالحها الاستراتيجية، خاصة في عدن كموقع جيوسياسي حيوي. لكن اليمن اليوم ليس مجرد ضحية للماضي؛ يمكنه استغلال هذا التاريخ لفهم أخطاء التقسيم والبناء عليها. الخطوة الأولى تبدأ بحوار وطني شامل يجمع كل الأطراف، من المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الحوثيين، ومن حزب الإصلاح إلى القبائل والسلاطين، مع ضمان مشاركة الشباب والنساء. هذا الحوار، الذي يمكن أن يُعقد على مدار ستة أشهر برعاية محايدة مثل سلطنة عمان، يهدف إلى صياغة عقد اجتماعي جديد، ربما نظام فيدرالي يحترم الخصوصيات الإقليمية دون تفكيك الدولة، مع بث مباشر لكل جلسة لضمان الشفافية وكسب ثقة الشعب.
في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل دور القوى الخارجية التي استغلت الانقسامات الداخلية لفرض أجنداتها. بريطانيا، التي لعبت دورًا في رسم الحدود ودعم أطراف معينة تاريخيًا، إلى جانب السعودية وإيران والإمارات، ما زالت تؤثر على المشهد اليمني. لمواجهة ذلك، يجب تشكيل لجنة دبلوماسية يمنية مستقلة تتفاوض مع هذه الدول لإبرام اتفاقية "عدم التدخل"، تقدم فيها اليمن ضمانات أمنية مشتركة مقابل سحب القوات الأجنبية ووقف الدعم العسكري للأطراف المحلية خلال ثلاثة أشهر، مع تقديم الخطة للأمم المتحدة كضمان دولي. هذه الخطوة لن تنهي التدخل بين ليلة وضحاها، لكنها ستضع اليمن في موقع القوة لإعادة تعريف علاقاتها الخارجية.
اقتصاديًا، يعاني اليمن من فقر يطال أكثر من 75% من سكانه، مما يجعل الشباب فريسة سهلة للتجنيد في الصراعات. لكسر هذه الحلقة، يمكن إطلاق خطة اقتصادية تركز على استغلال الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز في مأرب والثروة السمكية في حضرموت، مع إنشاء صندوق سيادي يُدار بلجنة مشتركة من الشمال والجنوب لضمان التوزيع العادل. خلال عام واحد، يمكن البدء بمشاريع تنموية مثل إعادة تأهيل ميناء عدن وتطوير الزراعة، بتمويل من دول الخليج بشرط عدم التدخل السياسي، مما سيوفر فرص عمل ويقلل من الاعتماد على المساعدات الخارجية.
الهوية الوطنية، التي شكلت محور الصراع بين الشمال والجنوب، تحتاج إلى إعادة تعريف. بدلاً من التركيز على الروايات المنقسمة، يمكن إطلاق حملة تعليمية وإعلامية تستلهم تاريخ اليمن الموحد، مثل مملكة سبأ وحمير، مع إصلاح المناهج الدراسية لتعكس قيم الوحدة والتنوع. تدريب 10,000 معلم خلال عامين وإنتاج محتوى إعلامي مثل الأفلام والمسلسلات سيزرعان في جيل جديد شعورًا بالانتماء لكيان واحد، بدلاً من مناطق متصارعة. هذه ليست مجرد دعاية، بل استثمار طويل الأمد في الاستقرار الاجتماعي.
سياسيًا، يمكن الانتقال إلى نظام حكم لامركزي يمنح المناطق سلطات واسعة في إدارة شؤونها، بينما تحتفظ الحكومة المركزية بالدفاع والسياسة الخارجية. هذا النظام يوفق بين الإرث التقليدي للإمامة في الشمال والطموحات الحديثة في الجنوب، ويمكن أن يُصادق عليه عبر استفتاء شعبي خلال 18 شهرًا بعد صياغة دستور جديد. لكن التحدي الأمني يظل العقبة الأكبر، حيث يتطلب دمج الميليشيات المسلحة في جيش وطني موحد تحت قيادة مشتركة، مع برنامج تسريح وإعادة تأهيل للمقاتلين يبدأ خلال 12 شهرًا بمساعدة خبراء دوليين، مستفيدين من تجارب مثل جنوب إفريقيا في نزع السلاح.
المجتمع الدولي، الذي طالما لعب دور الوسيط السياسي، يجب أن يتحول إلى داعم تنموي. يمكن مطالبة الأمم المتحدة بفرض عقوبات على أي دولة تثبت تورطها في تأجيج الصراع، مع تقديم تقرير سنوي لمجلس الأمن يرصد التزام الدول باتفاقية عدم التدخل. هذا التحول سيجعل اليمن نموذجًا للتعافي بدلاً من ساحة صراع. الجدول الزمني لهذه الخطة يبدأ بالسنة الأولى مع إطلاق الحوار الوطني والتفاوض الخارجي ومشاريع التنمية، ثم السنة الثانية مع إصلاح التعليم ودمج الميليشيات وصياغة الدستور، وصولاً إلى السنة الثالثة مع تنفيذ النظام الفيدرالي والاستفتاء وتوسيع الاقتصاد.
في النهاية، اليمن ليست مجرد رمز للتناقضات التاريخية، بل فرصة لصناعة مستقبل يجمع بين التراث والحداثة. هذه الخارطة ليست حلمًا بعيد المنال، بل خطة قابلة للتنفيذ إذا توفرت الإرادة السياسية والدعم الشعبي. كما يقول المثل المعدل: "من يشق طريقه بثقة وخطة، يصنع قدره بنفسه". اليمن قادرة على تجاوز ماضيها الاستعماري وانقساماتها، لتصبح دولة موحدة ذات سيادة، لكن ذلك يتطلب الجرأة لمواجهة الحقائق والعمل الجماعي لتحقيق التغيير. هذه ليست دعوة للتأمل، بل دعوة للعمل، لأن المستقبل لا ينتظر من يتردد.