د. محمد الموسوي يكتب لـ(اليوم الثامن):
رسالة الشعب الإيراني من باريس إلى بروكسل
تظاهرة بروكسل بعد مؤتمر باريس.. حِراكٌ للمقاومة الإيرانية ضد النظام الإيراني وسياسة المهادنة والاسترضاء الغربية..
ما يجري اليوم من أزمات وكوارث في منطقة الشرق الأوسط هو نتاج متواصل لما صنعه الغرب الاستعماري.. وسواء في فلسطين أو العراق أو في إيران أو في اليمن فالمخطط واحد، وصانع الأزمات واحد، وأدوات صناعة هذه الأزمات واحدة.. والدين هو الوسيلة التي يمكن استخدامها كوقود لهذه الصناعة.. صناعةٌ هي امتدادٍ للنازية وثقافة الفصل العنصري سواء كان ذلك باسم العرق أو الدين أو المذهب، وبعد أن دفعت أوروبا ثمن هذه الصناعة في حربين إباديتين رفعتا البعض إلى العُلا وأنزلت البعض الآخر إلى الحضيض؛ دفعت أوروبا بهذه الصناعة إلى الشرق الأوسط لتكون من الوسائل التي تؤمن لهم مصالحهم وأدوات لنهضتهم، ومسارح جديدة لصناعة وإدارة الصراعات والأزمات والحروب وتجارة السلاح.
بعد هلاك وتدمير المنطقة وإعادة رسم معالمها من جديد بغد سايكس بيكو وفرض شكل جديد من أشكال وأنماط السياسة والحكم عليها كان لابد من تركيعها.. وقد بدأوا ذلك بفرض نظام حكم جديد في إيران بدأ بالدكتاتورية الشاهنشاهية وتواصل بدكتاتورية الملالي التي جاء بها الغرب لتخلف الدكتاتورية الشاهنشاهية المخلوعة على يد ثورة الشعب في فبراير 1979، وجيء بدكتاتورية الملالي المتسترة بغطاء الدين لتكون أحد وسائل مواجهة المد الشيوعي الذي توسع وخرج عن السيطرة، وتكون في الوقت ذاته وسيلة لابتزاز العرب وترويضهم ووضعهم بين فكي كماشة يؤديان نفس الغرض ولكل فكٍ منهما دوره والسيناريو المعد له، ويتشاركون الفكر العنصري والعداء لكل من يختلف معهم.
لقد أسس الغرب صنيعهم نظام الملالي ودعم وجوده وأوصله لهذه القدرات التسليحية بشكل بآخر بما في ذلك القدرات النووية التي لا يكترث لها الغرب فهي لن تتوجه نحوه أو نحو مشاريعه في المنطقة والعالم؛ لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن يخرج هذا النظام عن المنظومة الويستفالية التي وُضِع في قالبها، واليوم يسعى ليكون أكثر من عضو في النادي النووي ويكون رقماً في صنع وفك وتركيب وحل المعادلات الدولية بشيء من الخصوصية، وهذا ما لا يروق للغرب، ويبقى الصراع بين وضيعٍ يريد الخروج من عنق الزجاجة ومستكبر يُصر على غطرسته وإبقاء أدواته في مواضعها وبالسيناريوهات التي وُضِعت لها، والخلاف هنا لم يصل حتى الآن حد رغبة الغرب المُهادن إسقاط ملالي إيران الذين بسقوطهم تسقط ملالي المنطقة ويسقط معها المخطط برمته.. المخطط الذي وضع العراق وسوريا واليمن ولبنان ومنطقة الخليج في سلة واحدة بيد الغرب؛ وبالتالي فإن الخيار الحالي للقوى الغربية فيما يتعلق بنظام طهران هو إعادة ترويضه وإبقائه على سدة الحكم في إيران.. ولأجل ذلك لا بأس من التصعيد والتهديد والوعيد وهو ما يجري بين الغرب وملالي طهران اليوم.. وماذا إن فُرِض حصارٌ على الملالي فبالنتيجة المتضرر هو الشعب وبالنتيجة سيقوم الغرب بتعويضه عن أضرار هذه العقوبات كما رأينا عشرات مليارات الدولارات التي أطلقتها الإدارة الأمريكية لصالح الملالي وتم استخدامها في تطوير القدرات الصاروخية والنووية.. هذا بالإضافة إلى تسخير الاقتصاد العراقي لصالح النظام الإيراني وبمباركة غربية.
اليوم.. وبعد إدراك الشعب الإيراني ومقاومته البديل الديمقراطي الأوحد بأن الغرب لا يزال يسير على نهجه المهادن عكس توجه تيار الشعب الثائر، ومُدرِكاً في ذات الوقت أن ما تتجه إليه القوى العالمية نحو إجراءات عقابية رادعة لنظام الملالي الذي بدأ بالخروج عن السيناريوهات المرسومة له لن تتعدى كونها إجراءات رادعة لترويضه فقط بل لدعم بقائه وليس إسقاطه، ومن هنا ومن منطلق هذا الإدراك تتحرك المقاومة الإيرانية لإيصال رسالة الشعب الإيراني إلى العالم أجمع للتأكيد على رفض الحروب، ورفض سياسة الاسترضاء والمهادنة التي اتبعها ويتبعها الغرب مع نظام ولاية الفقيه منذ استيلائه على مكتسبات ثورة فبراير 1979 وتسلطه على رقاب الشعب بالاستبداد والعنف والقمع والدم، وهي نفس الرسالة الموجهة في مؤتمر باريس الذي استضافت بلدية الدائرة السابعة عشرة في باريس يوم الثلاثاء 26 أغسطس 2025، وسلط الضوء على التصاعد المروّع لحملات الإعدام وانتهاكات حقوق الإنسان في إیران؛ جددت السيدة مريم رجوي رئيسة الجمهورية المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مؤكدةً على موقفها الرافض للحروب والتدخلات الخارجية وسياسة المهادنة التي مارستها وتمارسها القوى الغربية الكبرى من أجل إبقاء نظام الملالي في الحكم وهو أمرٌ منافٍ لتطلعات الشعب الإيراني الثائر ضد نظام ولاية الفقيه ووجوده كلياً، وقد أكدت السيدة مريم رجوي مراراً رفضها للتغيير بإملاءات خارجية داعية العالم إلى احترام ودعم التغيير الذي يأتي على يد الشعب الإيراني ومقاومته الديمقراطية المنظمة.
تظاهرات بروكسل
وتأتي تظاهرات بروكسل التي ستقيمها المقاومة الإيرانية والآلاف من أنصارها في أوروبا احتفالا بالذكرى السنوية لتأسيس منظمة مجاهدي خلق وتتمة للرسالة التي وجهتها السيدة مريم رجوي في مؤتمر باريس الأخير ومؤتمرات سابقة للتأكيد على خيار الحل الثالث " لا للحروب.. لا لسياسة المهادنة والاسترضاء.. نعم للتغيير على يد الشعب ومقاومته.
على الرغم من القيود القاسية التي يضعها الغرب على المقاومة الإيرانية، ونهج الغرب الداعم لاستمرار نظام الملالي في الحكم أو إعادة إحلال الدكتاتورية الشاهنشاهية محله فإنه من المتوقع أن تحمل هذه تظاهرة بروكسل الكثير من الرسائل والآمال.. وقد تشارك وحدات المقاومة الإيرانية من داخل إيران في هذه التظاهرة الكبيرة عبر تقنية الفيديوأونلاين، وأهم ما قد تؤكد عليه في رسالتها هو ضرورة تخلي الغرب عن نهجه المهادن ودعم خيار التغيير على يد الشعب الإيراني.. هذا إن أبدى الغرب صدقاً في هذه المرحلة يتناغم فيها مطلب الشعب الإيراني وبرنامج المواد العشر التي من ضمنها إيران غير نووية مع توجهات الغرب المُعلنة بشأن نزع القدرات النووية العسكرية لنظام الملالي..
إنها النهاية فهل يستعيد الغرب ماء وجهه المهدور ومصداقيته المنزوعة؟ أم يستمر في نهجه.. ويفرض عليه الشعب الإيراني مفاجآت الأمر الواقع كتلك التي فرضها عليه عام 1979 عندما خلع الشاه وأسقط وأزاح نظامه.
د. محمد الموسوي/ كاتب عراقي