د. محمد الموسوي يكتب لـ(اليوم الثامن):

إيران على حافة الانكسار.. عندما تلتقي انتفاضة الشارع مع ارتباك السماء

تشهد إيران اليوم تراكبًا خطيرًا بين أزمات الداخل وضغوط الخارج، في مشهد يشي بأن النظام القائم يواجه أخطر اختبار وجودي منذ تأسيسه. فبين تصاعد التوتر الجوي بين الولايات المتحدة وإيران، واندلاع احتجاجات شعبية غير مسبوقة شلّت الحركة الأمنية في المدن الكبرى، تتكشف ملامح مرحلة جديدة لم تعد فيها أدوات القمع التقليدية كافية لضمان بقاء نظام الملالي.

الشارع ينتزع المبادرة: سقوط هيبة القبضة الأمنية

التحول الأبرز يتمثل في انكسار احتكار الدولة للعنف المنظّم. فسيطرة الثوار على الشوارع والمباني الحكومية الحيوية، وتطويق مقرات الحرس الثوري في أكثر من مدينة، يعكس تراجعًا حادًا في قدرة النظام على فرض الردع. الأخطر من ذلك هو شلل الحركة الأمنية، حيث لم تعد القوات قادرة على الانتشار أو المناورة، ما يشير إلى تفكك وظيفي داخل المنظومة القمعية نفسها.

فشل سلاح العزلة الرقمية: نهاية السيطرة على الفضاء المعلوماتي

لطالما اعتمد النظام على قطع الإنترنت كأداة استراتيجية لعزل الشارع ومنع التنسيق بين المحتجين. إلا أن هذه الورقة احترقت مع انتشار شبكات الأقمار الصناعية البديلة، وتهريب أجهزة ستارلينك إلى داخل البلاد. هذا التطور حرم النظام من أحد أخطر أسلحته، وفتح المجال أمام تدفق المعلومات وتوثيق القمع وبناء شبكات تنظيمية مرنة، عصيّة على التفكيك.

التهديد النووي: ورقة تخويف فقدت فعاليتها

في مواجهة هذا الزخم الشعبي، عاد النظام إلى خطاب التهديد النووي في محاولة لردع الخارج ورفع كلفة التدخل. غير أن هذه اللغة لم تُضعف عزيمة المتظاهرين، بل سرّعت الحراك الدولي.  فالمجتمع الدولي بات يرى في هذا السلوك دليل ارتباك لا قوة، ومؤشرًا على أن النظام يستخدم آخر أوراقه دون امتلاك القدرة على فرض شروطه.

السماء تتحرك: رسائل الردع والاستعداد الدولي

تزامنًا مع ذلك، شهدت المنطقة تعزيزات جوية أمريكية بطائرات C-17، في خطوة تعكس حالة تأهب مرتفعة واستعدادًا لسيناريوهات تدخل محتملة.  هذه التحركات لا تعني بالضرورة قرارًا وشيكًا بالمواجهة، لكنها ترسل رسالة واضحة:  العالم يراقب، والنظام لم يعد محصنًا من المحاسبة الدولية إذا انزلقت الأوضاع إلى فوضى تهدد الأمن الإقليمي.

الذعر في القمة: هروب النخب وتفكك الولاءات

من أخطر المؤشرات على اهتزاز النظام هو انسحاب بعض كبار المسؤولين وهروبهم عبر رحلات جوية خاصة إلى موسكو.  هذا السلوك يعكس حالة ذعر داخل الدائرة الضيقة للسلطة، ويؤكد أن النخب الحاكمة بدأت تبحث عن مخارج فردية بدل الدفاع عن النظام ككيان. بالتوازي، لوحظ توقف بعض قوات الشرطة عن قمع المتظاهرين، بل ومساندتهم ضمنيًا، ما يكشف عن تآكل الولاء داخل الأجهزة التنفيذية.

ميزان القوى الجديد: الشارع مقابل نظام منهك

ما يجري اليوم ليس مجرد موجة احتجاج عابرة، بل إعادة تشكيل لميزان القوى.  فالنظام يواجه استنزافًا متزامنًا:  داخليًا عبر الشارع، وخارجيًا عبر الضغط الدبلوماسي والعسكري، ووظيفيًا عبر تفكك أجهزته. في المقابل، يتمتع الحراك الشعبي بزخم متراكم، وخبرة تنظيمية متنامية، وبيئة دولية أقل تسامحًا مع سياسات القمع والمغامرة النووية.

وهم العودة إلى الماضي: الدور المعرقل لفلول الشاه
وفي خضم هذا الغليان الشعبي، تبرز تحركات رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، كعنصر مشوش يحاول ركوب موجة الاحتجاجات وتجيير تضحيات الداخل لصالح أجندة استعادة العرش. يرى الكثير من المراقبين أن هذا الدور يتسم بالتخريب السياسي. إن محاولات "ابن الشاه" لتقديم نفسه كبديل وحيد، دون امتلاك قاعدة تنظيمية فاعلة على الأرض، لا تخدم سوى إطالة أمد النظام من خلال إثارة المخاوف من العودة إلى الاستبداد القديم، مما يجعل منه عبئاً على الحراك الشعبي بدلاً من أن يكون عوناً له، ويحرف البوصلة عن أهداف الثورة الرامية إلى بناء مستقبل ديمقراطي تعددي لا يعيد إنتاج تجارب الماضي الفاشلة.

الخلاصة: مستقبل يتجاوز النظام

تشير مجمل المعطيات إلى أن الثورة تمضي في مسارها التصاعدي. وتؤكد المؤشرات أن النظام لم يعد يتحكم في مسار الأحداث، بل يكتفي بمحاولات احتواء متأخرة لأزمات تتجاوز قدرته على الضبط.  المستقبل القريب مرشح لمزيد من التصدعات الداخلية والتدخلات الدبلوماسية الضاغطة، مع اتساع هامش الفعل الشعبي. في لحظات كهذه، لا تسقط الأنظمة بضربة واحدة، بل تنهار عندما تفقد قدرتها على الحكم والردع معًا.  وإيران اليوم تقف عند هذا المنعطف الحاسم. والنصر حليف لأبناء الوطن الصادقين لا محالة.

د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي