د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

العدّ التنازلي لسقوط نظام الملالي وبداية معركة الجمهورية الديمقراطية

حين تتحوّل الاستمرارية إلى مؤشر انهيار

يدخل اليوم الرابع من الاحتجاجات في إيران كمرحلة نوعية لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد امتداد زمني لتظاهرات عابرة، بل باعتبارها تحوّلًا بنيويًا في ميزان الصراع بين المجتمع والنظام. فاستمرارية الحراك، واتساع رقعته، وتزايد جرأته، تكشف عن تآكل قدرة الدولة على الاحتواء، وتراجع أدوات الردع التقليدية التي طالما اعتمد عليها نظام الملالي لإخماد الأزمات.

جغرافيا الغضب: من الأطراف إلى الجامعات

اللافت في هذا الطور من الانتفاضة هو اتساعها الجغرافي والقطاعي.  فلم تعد الاحتجاجات محصورة في مدن بعينها أو شرائح اجتماعية محددة، بل امتدت إلى الجامعات بوصفها مركزًا لإنتاج الوعي السياسي، وإلى مدن جديدة كانت تُعدّ سابقًا هامشية أو خاضعة للضبط الأمني. دخول الجامعات على خط المواجهة يمثل نقلة استراتيجية، إذ يربك النظام على مستوى الشرعية الرمزية، ويضرب صورته كسلطة قادرة على ضبط النخب الشابة.

العجز الاستراتيجي للنظام: القمع كخيار أخير في مواجهة الانهيار

تؤكد الوقائع أن النظام لا يملك سوى أداة واحدة:  تصعيد الإعدامات، وتكثيف القمع الأمني.  غير أن هذه الأداة، التي كانت سابقًا فعّالة في ترويع المجتمع، تحولت اليوم إلى وقود إضافي للغضب الشعبي.  فكل عملية إعدام، وكل حملة اعتقال، لم تعد تُقرأ كاستعراض قوة، بل كدليل على الذعر داخل بنية السلطة وعجزها عن تقديم أي أفق سياسي أو اقتصادي.

سقوط وهم الإصلاح: نهاية مرحلة وبداية أخرى

ما تشهده الشوارع اليوم يكرّس حقيقة حاسمة:  انتهاء أوهام الإصلاح من داخل النظام.  فالجمهور الذي يواجه الرصاص والهراوات لم يعد يطالب بتعديلات أو تحسينات، بل يرفع سقف المواجهة باتجاه تفكيك المنظومة برمّتها.  بهذا المعنى، تمثل الانتفاضة الحالية خط الفصل التاريخي بين مرحلة الرهان على التغيير التدريجي، ومرحلة المواجهة المفتوحة من أجل جمهورية ديمقراطية.

الانهيار المتعدد المستويات: سياسة واقتصاد وشرعية

يتزامن تصاعد الاحتجاجات مع انكشاف شامل لأزمات النظام.  سياسيًا، يتراجع منسوب السيطرة المركزية. اقتصاديًا، تتآكل القدرة على شراء السلم الاجتماعي بفعل التضخم والعقوبات وسوء الإدارة. أما على مستوى الشرعية، فإن الخطاب الديني–الأيديولوجي لم يعد قادرًا على تبرير الفشل أو احتواء النقمة. هذا التزامن لا يعكس أزمة عابرة، بل انهيارًا تراكميًا في مختلف ركائز الحكم.

من احتجاج إلى انتفاضة: تغيّر قواعد الاشتباك

الفرق الجوهري بين ما يجري اليوم وموجات سابقة يتمثل في تغيّر قواعد الاشتباك.  فالمجتمع لم يعد يتراجع أمام العنف، والنظام لم يعد قادرًا على فرض الصمت. هذا التوازن السلبي يدفع البلاد نحو حالة انسداد استراتيجي لا يمكن الخروج منها إلا بتغيير جذري في طبيعة السلطة.

دلالات اليوم الرابع: لماذا هو مفصلي؟

اليوم الرابع ليس رقمًا زمنيًا فحسب، بل مؤشر على فشل استراتيجية الإنهاك التي يعتمدها النظام، وعلى انتقال الشارع من رد الفعل إلى الفعل المنظّم والمتراكم.  وهو أيضًا رسالة إلى الداخل والخارج بأن الأزمة تجاوزت حدود الاحتجاج الاجتماعي لتصبح صراعًا على شكل الدولة ومستقبلها.

توصيات مباشرة لصنّاع القرار

  1. التخلي عن وهم الاستقرار:  يجب على الفاعلين الإقليميين والدوليين التعامل مع النظام بوصفه سلطة مأزومة، لا شريكًا مستقرًا.
  2. ربط أي تواصل سياسي بملف حقوق الإنسان، وخصوصًا وقف الإعدامات والقمع.
  3. دعم الصوت الشعبي الإيراني سياسيًا وإعلاميًا، وعدم اختزاله في مقاربات أمنية.
  4. الاستعداد لسيناريو التغيير عبر سياسات مرنة تستوعب مرحلة ما بعد النظام، بدل الرهان على بقائه.

الخاتمة: لحظة الحقيقة

ما يجري في إيران اليوم ليس أزمة عابرة، بل لحظة حقيقة تاريخية.  نظام لم يعد قادرًا على الحكم إلا بالعنف، وشعب لم يعد يقبل العيش في كنف حكم نظام الملالي المستبد. وبين الطرفين، تتقدم الانتفاضة بخطى ثابتة، معلنة بداية معركة الجمهورية الديمقراطية، ونهاية مرحلة كاملة من الوهم السياسي.

د. سامي خاطر، أكاديمي وأستاذ جامعي