مريم الشيخ تكتب لـ(اليوم الثامن):
المرأة الإيرانية: متغير استراتيجي يعيد رسم خريطة الصراع
لم تعد مشاركة النساء والفتيات في الانتفاضة الجارية في إيران مجرد جانب إنساني أو أخلاقي، بل تحولت إلى عامل بنيوي يغير جوهر الصراع نفسه. لقد تجاوز دور المرأة الإيرانية صورة «الضحية» ليصبح قيادياً في التنظيم، وصياغة الأفكار، وتحديد الأفق السياسي لإيران ما بعد النظام. يشكل هذا التحول تحدياً وجودياً لنظام الملالي، الذي بنى شرعيته على قمع المرأة كأداة للضبط الاجتماعي والأيديولوجي.
من منظور امرأة عربية مسلمة تشارك في الحياة السياسية، يتجاوز هذا الدور حدود إيران، ويلهم النساء في العالم العربي والإسلامي للوقوف في وجه أي شكل من أشكال التمييز والقمع. في هذا السياق، تبرز استراتيجية السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، كرؤية رائدة ترى في المرأة «القوة الأساسية للتغيير». فقد أكدت مراراً أن النساء والفتيات هن الرائدات في جميع مشاهد الانتفاضة – من الاحتجاجات اليومية في الشوارع إلى التنظيم داخل السجون والمنابر الدولية. وقد أدى هذا الدور إلى استشهاد مئات النساء منذ تولي الملالي السلطة حتى اليوم؛ نساء مثل نيكا شاكرمي، وحدیث نجفي، وسارينا إسماعيلزاده وغيرهن كثيرات، بالإضافة إلى عشرات الشهيدات في الانتفاضة الأخيرة خلال عامي ۲۰۲۵-۲۰۲۶، مما جعل تضحياتهن رمزاً للصمود والإصرار على الحرية.
في هذا الإطار، تظهر المرأة الإيرانية كفاعل استراتيجي يربط بين النضال اليومي في الشارع والرؤية المؤسسية لمستقبل ديمقراطي للبلاد.
من أعماق السجون إلى المنابر العالمية: قيادة نسائية تتجاوز الحدود
في تحليل نشرته الدكتورة فيليستي جيري في يناير ۲۰۲۶، أكدت أن النضال من أجل إيران ديمقراطية لم يعد افتراضاً نظرياً، بل عملية منظمة تقودها النساء فكرياً وعملياً. يكتسب هذا الوصف وزنه من اتساع نطاق الفعل النسائي: من زنازين السجون، حيث تحولت السجينات إلى مراكز مقاومة صامتة، إلى المنابر الدولية في واشنطن وستراسبورغ، حيث تُقدم بدائل سياسية متماسكة وذات مشروعية قانونية.
تعكس هذه الامتدادات الجغرافية والسياسية قدرة النساء على كسر العزلة القسرية التي فرضها النظام عليهن، وتحويل القمع إلى منصة للمساءلة الدولية. وكما أكدت السيدة رجوي في خطاباتها أمام البرلمان الأوروبي، فإن النساء الإيرانيات هن «كابوس» النظام، لأنهن يتحدين الاستبداد بصمودهن، وقد أدى ذلك إلى استشهاد الكثيرات منهن تحت التعذيب أو في المواجهات المباشرة، مما يعزز دورهن كقائدات للحركة المقاومة.
من التوثيق إلى بناء المساءلة العالمية: تحذير قانوني متقدم
تمثل شهادات بعض المنظمات الدولية حول المجزرة الوشيكة في السجون الإيرانية نموذجاً للتحذير القانوني المتقدم. لا يكتفي هذا النص بسرد الانتهاكات، بل يعيد تصنيفها ضمن إطار القانون الدولي، موثقاً النقل القسري، والتعذيب، والحرمان من الرعاية الطبية، والإعدامات الميدانية، والاختفاء القسري كجرائم ممنهجة.
المرأة هدفاً للقمع... ومحركاً رئيسياً للمقاومة الاجتماعية
يكشف تحليل أنماط القمع أن النساء والفتيات أهداف محددة لسياسات الردع: اعتقال المراهقات، إسكات العائلات، والحرمان من الرعاية الصحية. هذه الممارسات ليست عشوائية، بل تعكس خوف النظام من فعالية المرأة السياسية. ومع ذلك، جاءت النتيجة عكسية: أصبحت النساء العنصر الأكثر ديناميكية في المقاومة الاجتماعية.
يُظهر هذا التناقض فشل الدولة الذكورية السلطوية في إدراك أن قمع المرأة لم يعد مصدر استقرار، بل عاملاً مسرعاً للانهيار. وكما أكدت السيدة رجوي، فقد ناضلت النساء الإيرانيات لأكثر من أربعة عقود ضد استبداد الملالي، محفزات الشعب على الاحتجاج ضد شرطة الأخلاق، ودافعات ثمناً باهظاً بشهادتهن.
خارطة طريق ديمقراطية بقيادة نسائية: خطة العشر نقاط أساساً
في مؤتمر «إيران الحرة ۲۰۲۵» في واشنطن، برزت خطة العشر نقاط للسيدة مريم رجوي كإطار انتقالي متماسك، تقوده النساء بدعم من خبراء ومسؤولين وبرلمانيين سابقين. تستند هذه الخارطة إلى مبادئ واضحة: فصل الدين عن الحكومة، والمساواة الكاملة بين الجنسين في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإجراء انتخابات حرة، واستقلال القضاء، وحقوق الأقليات، وحق المرأة في اختيار لباسها بحرية، وحقوق الزواج والطلاق، والتعليم والعمل.
الأهم أن هذه الرؤية ترفض بوضوح الخيارين اللذين شلا السياسة الدولية تجاه إيران: المماشاة والتدخل العسكري. البديل هو التغيير الذي يقوده الإيرانيون أنفسهم عبر مقاومتهم المنظمة، مع التركيز على دور النساء كقوة دافعة.
تفكيك أوهام «المعارضة المصطنعة» وديكتاتورية الشاه: نحو نموذج جديد
خاتمة: النساء الإيرانيات نحو النصر النهائي
لم يعد السؤال ما إذا كانت النساء يقدن الانتفاضة الإيرانية؛ فالأدلة واضحة تماماً، بل إن قادة النظام أنفسهم يتحدثون باستمرار عن النساء كقائدات للتظاهرات والاحتجاجات. ومع استراتيجية السيدة مريم رجوي التي جعلت النساء رائدات في كل الميادين، يدرك نظام الملالي هذه الحقيقة جيداً، ويحاول – بأبشع أشكال القمع ضد النساء – منع انتشارها، لكن هذه الفكرة قد فتحت طريقها بالفعل. وبحسب قول السيدة رجوي، فإن النساء الإيرانيات سيقمن قريباً بـ«جرف» هذا النظام السفاح.
نائبة موريتانية


