د. تيسير كريشان يكتب لـ(اليوم الثامن):

إعادة تدوير الفشل: "ابن الشاه" كظاهرة صوتية في خدمة بقاء الاستبداد الديني

مقدمة: صناعة البديل الزائف

في المنعطفات التاريخية الكبرى التي تمر بها الشعوب، تبرز دائماً محاولات للالتفاف على إرادة الجماهير عبر صناعة بدائل "معلبة" تهدف إلى الحفاظ على جوهر النظام القديم بوجوه جديدة. يمثل رضا بهلوي، الملقب بـ "ابن الشاه"، النموذج الأبرز لهذه الظاهرة في المشهد الإيراني المعاصر. فبينما يغلي الداخل الإيراني بمطالب الحرية وإسقاط الديكتاتورية، يبرز هذا التيار ليس كقوة تغيير حقيقية، بل كأداة تضليل استراتيجي تخدم  بوعي استمرار نظام ولاية الفقيه، عبر بعث مخاوف الماضي وإجهاض آفاق المستقبل الديمقراطي. إن ما نشهده اليوم ليس حراكاً سياسياً، بل هو عملية "تجميل" لرفات نظام سقط فعلياً، تُدار عبر غرف عمليات دعائية معقدة.

أولاً: الامتداد الطبيعي لديكتاتورية الأب

 لا يمكن قراءة مشروع رضا بهلوي بمعزل عن التاريخ الأسود لحكم والده وجده. إن الديكتاتورية التي أسسها المقبور محمد رضا بهلوي، والتي قامت على القمع المطلق عبر جهاز "السافاك" واحتكار الثروة الوطنية، هي التي مهدت الطريق تاريخياً لوصول المتطرفين إلى السلطة في عام 1979. برنامج "ابن الشاه" اليوم لا يقدم رؤية ديمقراطية حقيقية، بل يحاول تلميع صورة نظام سقط بقرار شعبي شامل. إن شعارات مثل "جاويد شاه" (ليعش الشاه) تعكس عقلية لا تزال تؤمن بالحق الإلهي في الحكم وبالسلطة الفردية المطلقة. هذا التوجه يتناقض جذرياً مع تطلعات الأجيال الجديدة التي ضحت بدمائها لإسقاط الاستبداد بكافة أشكالها. فالمشكلة ليست في "التاج" أو "العمامة"، بل في بنية الحكم الفردي التي يمثلها بهلوي كإرث عائلي، وهي بنية تقوم في جوهرها على تغييب الإرادة الشعبية.

ثانياً: الدور التخريبي والخدمة المجانية لنظام الملالي

 تتجلى الخطورة الكبرى لتحركات رضا بهلوي في كونها تمثل "طوق نجاة" لنظام خامنئي. يعمل النظام الإيراني بذكاء على تضخيم ظاهرة "بقايا الشاه" إعلامياً لعدة أسباب استراتيجية:

1.     تخويف الداخل: يستخدم النظام فزاعة "العودة إلى عهد السافاك" ليقنع قطاعات من الشعب بأن البديل هو العودة إلى القمع القديم، مما يدفع البعض للتردد في الانخراط الكامل في الانتفاضة.

2.     ضرب المعارضة الحقيقية: يعمل بهلوي كأداة للتشويش على المعارضة المنظمة (وحدات المقاومة والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية). فبينما تمتلك المعارضة الحقيقية برنامجاً سياسياً واضحاً (خطة المواد العشر)، يكتفي بهلوي بالضجيج الإعلامي واللقاءات البروتوكولية التي تفتقر للعمق.

3.     تفتيت جبهة المعارضين: نجح هذا التيار في إثارة صراعات جانبية داخل معسكر المعارضة، مما يشتت الانتباه عن الهدف الأساسي وهو إسقاط النظام، وهذا بالضبط ما يسعى إليه قادة النظام في طهران لضمان استمرار شرعيتهم المتآكلة.

ثالثاً: عالم "الفيك": البروباغندا الرقمية وتزييف الحقيقة

في العصر الرقمي، تحول رضا بهلوي إلى بطل "افتراضي" بامتياز. تعتمد استراتيجيته بالكامل على ما يمكن تسميته "ديكتاتورية الأرقام الوهمية". إن الجيوش الإلكترونية الممولة (البوتات) تعمل ليل نهار على تضخيم عدد المتابعين والإعجابات والمشاركات، لإعطاء انطباع زائف بوجود قاعدة شعبية عريضة. هذه "الأرقام الرقمية" تهدف لخداع العواصم الغربية وتصوير بهلوي كزعيم أوحد، بينما الواقع الميداني في شوارع إيران يثبت عكس ذلك تماماً. هذه الأرقام هي مجرد دخان دعائي يختفي عند أول مواجهة حقيقية مع الشارع. إن "المشاريع الفيك" التي يطلقها من حين لآخر، مثل "الميثاق" أو "الوكالة"، سرعان ما تنهار لأنها لا تمتلك جذوراً في الأرض، بل هي نتاج "هندسة شهرة" ممولة بمبالغ طائلة لا يُعرف مصدرها الحقيقي، لكن يُشتبه بقوة في ارتباطها بدوائر تريد الحفاظ على الوضع الراهن.

رابعاً: غياب القاعدة الشعبية وانعدام التشكيل التنظيمي

الحقيقة الميدانية التي تؤكدها التقارير المسربة من الداخل الإيراني هي أن رضا بهلوي يفتقر لأي هيكل تنظيمي أو قاعدة شعبية فاعلة على الأرض. إن تواجده ينحصر في "استوديوهات" القنوات الفارسية في الخارج وفي عواصم القرار الغربي. في الانتفاضات الكبرى التي شهدتها إيران، لم تُرفع صور بهلوي إلا في حالات نادرة جداً ومشكوك في عفويتها، بل وغالباً ما تكون مرتبطة بعناصر مشبوهة تهدف لتشويه صورة الحراك. إن الشعارات المركزية كانت ولا تزال: "الموت للدكتاتور" و"لا لنظام الشاه ولا لنظام الملالي". إن افتقاره لتنظيم قادر على تحريك الشارع يجعله مجرد "ظاهرة صوتية"؛ فهو لا يمتلك شبكة من الكوادر، ولا خلايا نضالية، ولا تاريخاً في المقاومة الميدانية، بل يكتفي بانتظار "هدية السلطة" من القوى الخارجية.

خامساً: المحرك الاستعماري والبحث عن "رجلهم في طهران"

 لا يمكن تجاهل الدعم الذي يتلقاه بهلوي من دوائر استعمارية دولية ترى فيه "الخيار الأسهل". هذه القوى لا تبحث عن ديمقراطية حقيقية في إيران، بل تبحث عن نظام "أليف" يضمن تدفق النفط ويحفظ مصالحها الجيوسياسية دون وجع رأس الديمقراطية الشعبية. إن محاولة فرض "ابن الشاه" كبديل هي إعادة لإنتاج سياسة "تنصيب الحكام" التي ميزت القرن الماضي. هذه القوى الاستعمارية تخشى من بديل وطني مستقل يمتلك قاعدة جماهيرية وتاريخاً نضالياً، لذا فهي تراهن على شخصية لا تمتلك وزناً ذاتياً، مما يجعلها مرتهنة تماماً للإرادة الخارجية في حال وصولها للسلطة. إنهم يريدون "شاه" جديداً ينفذ الأجندات الغربية، وليس جمهورية ديمقراطية تعبر عن السيادة الوطنية الحقيقية.

سادساً: الفراغ البرامجي والتهرب من المسؤولية

عند فحص الخطاب السياسي لرضا بهلوي، نجده يتهرب باستمرار من تقديم إجابات واضحة حول القضايا الجوهرية: حقوق القوميات، فصل الدين عن الدولة، والعدالة الاجتماعية. هو يكتفي بوعود هلامية حول "الاستفتاء" و"المرحلة الانتقالية"، وهي شعارات فضفاضة تهدف لإخفاء الرغبة في استعادة الامتيازات الطبقية والعائلية. إن هذا الفراغ البرامجي هو الدليل الأكبر على أن مشروعه ليس "دولة" بل "عودة للعرش". إنه يرفض حتى إدانة جرائم والده، مما يؤكد أنه لا ينوي القطيعة مع الاستبداد، بل يريد إعادة تدويره.

خاتمة: مستقبل إيران يصنعه المناضلون لا الورثة

إن إيران اليوم تمر بمرحلة مخاض تاريخي، والبديل الحقيقي لا يخرج من قصور المنفى أو عبر الصفقات الاستعمارية، بل يولد من رحم المعاناة اليومية للشعب الإيراني ومن تضحيات السجناء السياسيين ووحدات المقاومة التي تواجه الرصاص في شوارع طهران وقرجك وشيبان. لقد أثبتت التجربة أن "رضا بهلوي" ليس سوى سراب سياسي، دوره الوظيفي ينتهي عند حدود إرباك المشهد المعارض وخدمة بقاء النظام الحالي عبر تقديم نموذج منفر ومخيف للشعب.

إن إسقاط الديكتاتورية الدينية يتطلب بدلاً ديمقراطياً يؤمن بالجمهورية، وبالتعددية، وبالسيادة الوطنية المطلقة، وهو ما يتجسد بوضوح في برنامج المواد العشر الذي طرحته السيدة مريم رجوي، وهو ما لا يمكن لوريث استبداد عهد الشاه أن يقدمه أبداً. التاريخ لا يعود للوراء، والشعب الذي أسقط الشاه لن يقبل بأن يكون البديل هو نسخة باهتة من الماضي الرقمي "الفيك".