الهه عظيم فر يكتب لـ(اليوم الثامن):
طهران تأكل نفسها
تدخل إيران مرحلة جديدة من صراع السلطة داخل النظام، بعدما انتقلت الخلافات بين أجنحة الحكم من مستوى السجال السياسي والإعلامي إلى محاولات عملية تستهدف الرئيس مسعود بزشكيان، عبر طرح مشروع «عدم الأهلية السياسية» وتجريده من صلاحياته. وما يجري اليوم في طهران لا يبدو مجرد خلاف عابر داخل البرلمان أو بين التيارات المتشددة والمعتدلة شكلياً، بل يعكس تصدعاً أعمق في بنية النظام، في لحظة تتراكم فيها الأزمات المعيشية والاجتماعية، ويتصاعد فيها خوف السلطة من انفجار الشارع.
وبحسب ما نشرته صحيفة «سازندكي» الحكومية، عقد نحو 200 نائب في البرلمان اجتماعاً مغلقاً مع رئيس المجلس محمد باقر قاليباف في مرقد «الشاه عبد العظيم» مساء 7 سبتمبر/أيلول، كان يفترض أن يبقى بعيداً عن الإعلام. غير أن تسرب تفاصيله كشف حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، خصوصاً مع طرح خيار عدم كفاءة الرئيس تمهيداً لعزله، واندلاع اتهامات متبادلة بين النواب وصلت إلى حد اتهام النائب المتشدد حميد رسائي بالسعي إلى «انقلاب ضد الحكومة القائمة».
هذه اللغة، حين تصدر من داخل مؤسسات النظام نفسه، تكشف أن الصراع لم يعد يدور حول إدارة الحكومة فقط، بل حول من يتحمل مسؤولية الانهيار، ومن يملك حق التحكم بمسار النظام في المرحلة المقبلة. فبزشكيان يواجه ضغوطاً من التيارات المتشددة التي ترى في حكومته الحلقة الأضعف، بينما يحاول قاليباف الحفاظ على موقعه بين مراكز النفوذ المتصارعة، وسط نظام لم يعد قادراً على إنتاج قرار موحد.
وتتزامن هذه المواجهة مع تصعيد لافت في خطاب ممثلي الولي الفقيه في المحافظات، الذين طالبوا بتشديد العقوبات ضد من وصفوهم بـ«معطلي النظام والأمن العام في زمن الحرب». كما دعوا إلى التعامل مع أي تهديد يطال مجتبى خامنئي باعتباره مساساً بأعلى الخطوط الحمراء، وإلى إعادة النظر في «العقيدة النووية» بما يوحي بأن النظام يحاول الجمع بين القمع الداخلي والتصعيد الخارجي لتعويض ضعفه السياسي.
لكن الأخطر في هذه التطورات هو أن الصراع في القمة يجري بينما تعيش الشوارع الإيرانية حالة استنفار أمني شبه دائم. فالنظام يدرك أن أي انقسام في رأس السلطة يمكن أن يتحول إلى فرصة للشارع الغاضب. ولهذا تبدو دعوات التشدد القضائي والأمني، وانتشار القوات القمعية، وإبقاء الأجهزة في حالة جاهزية، محاولة لمنع انتقال الخلافات الداخلية إلى حركة احتجاج شعبية واسعة.
وقد عبّر أحمد علم الهدى، ممثل الولي الفقيه في مشهد، عن هذا القلق بوضوح حين حذر من أن تتحول التجمعات والاحتجاجات الموجهة ضد حكومة بزشكيان إلى «انفجار شعبي» قد يخرج عن السيطرة. وهذا الاعتراف مهم لأنه يكشف أن السلطة لا تخاف من خصومها داخل البرلمان فقط، بل من الشارع الذي يراقب صراع الأجنحة وسط الفقر والغلاء وانسداد الأفق.
فالمجتمع الإيراني يعيش منذ سنوات تحت ضغط اقتصادي واجتماعي قاسٍ. الأجور تتآكل، الفقر يتسع، الثقة بالسلطة تتراجع، والاحتجاجات العمالية والمعيشية تتكرر في مدن مختلفة. وفي مثل هذا المناخ، لا يعود الصراع بين الأجنحة مجرد خبر سياسي، بل يصبح عاملاً إضافياً في تعميق شعور الناس بأن النظام مشغول بإنقاذ نفسه لا بإنقاذ البلاد.
ومن هنا تبرز أهمية العامل الداخلي المنظم في المشهد الإيراني. فالنظام لا يخشى الاحتجاج العفوي وحده، بل يخشى على نحو خاص التقاء الغضب الشعبي مع مقاومة منظمة قادرة على الاستمرار والعمل داخل البلاد. ولهذا تراقب الأجهزة الأمنية نشاط وحدات المقاومة بقلق متزايد، خصوصاً في ظل حالة التأهب التي تفرضها القوات القمعية في الشوارع والساحات والمؤسسات الحساسة.
فاستمرار عمليات وحدات المقاومة داخل إيران، رغم الاعتقالات والإعدامات والتشديد الأمني، يطرح أمام النظام معضلة مزدوجة: فهو يحتاج إلى إبقاء قواته في حالة استنفار دائم لمنع الاحتجاجات، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن هذا الاستنفار يعكس ضعفه ولا يضمن السيطرة الكاملة. وكلما تصاعد صراع الأجنحة في القمة، ازدادت احتمالات أن ترى قطاعات أوسع من المجتمع في هذا التصدع فرصة لكسر حاجز الخوف.
وفي هذا السياق، جاء انتخاب مهناز ميمنت أمينة عامة جديدة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية ليضيف بعداً سياسياً آخر إلى المشهد. فالانتخاب، وهو العاشر في تاريخ الأمانة العامة للمنظمة، تزامن مع بداية العام الثاني والستين لتأسيس مجاهدي خلق، وجرى بمشاركة أعضاء المنظمة في سبع دول. ورغم أنه حدث تنظيمي في ظاهره، فإنه يحمل رسالة تتصل بالاستمرارية والاستعداد لمرحلة جديدة من المواجهة مع نظام يعيش أزماته الأعمق.
إن صعود شخصية نسائية مثل مهناز ميمنت إلى موقع القيادة في أكبر تنظيم معارض للنظام الإيراني يبعث رسالة سياسية واضحة في مواجهة نظام يقوم على تهميش المرأة وقمع المجتمع. كما أنه يؤكد أن المعارضة المنظمة تسعى إلى تجديد قيادتها وبنيتها، في الوقت الذي تبدو فيه مؤسسات النظام غارقة في التنازع الداخلي والبحث عن أدوات جديدة للبقاء.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الخليج والمنطقة، لأن أزمة إيران لم تعد شأناً داخلياً محضاً. فالنظام الذي يعجز عن حل أزماته داخل البلاد يلجأ غالباً إلى تصدير التوتر، وتحريك الميليشيات، ورفع سقف التهديدات، والتلويح بالتصعيد العسكري أو النووي. ومن ثم فإن فهم ما يجري داخل طهران ضروري لفهم سلوكها الخارجي.
اليوم، تبدو المعادلة أكثر وضوحاً: نظام ممزق بين أجنحته، شارع يغلي تحت وطأة الأزمات، أجهزة قمع في حالة تأهب، ومقاومة منظمة تواصل نشاطها داخل البلاد وتعيد ترتيب قيادتها في الخارج. وهذه العناصر مجتمعة تجعل الأزمة الإيرانية مفتوحة على احتمالات واسعة.
إن صراع الأجنحة لا يعني قوة النظام، بل يكشف هشاشته. والتهديد بالقمع أو التصعيد النووي لا يحل مأزقه، بل يفضح خوفه من لحظة قد يلتقي فيها غضب المجتمع مع فعل منظم قادر على تحويل الاحتجاج إلى مسار سياسي. لذلك، فإن ما تشهده طهران اليوم ليس مجرد أزمة حكومة أو معركة بين نواب، بل علامة على نظام يأكل نفسه من الداخل، بينما تتقدم في الجهة المقابلة معادلة جديدة عنوانها: الشعب، ووحدات المقاومة، والبديل المنظم.


