نظام مير محمدي يكتب لـ(اليوم الثامن):

حقوق الإنسان.. الخاصرة التي يمكن أن تقلب الطاولة على النظام الإيراني

 لم يعد ملف حقوق الإنسان في إيران قضية هامشية يستطيع نظام طهران احتواءها ببيانات النفي والحملات الدعائية. فقد أصبح أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى السلطة، لأنه يضعها أمام سجلها الداخلي ويجمع الإعدامات والاعتقالات السياسية وقمع النساء واضطهاد الأقليات واستخدام القوة ضد المحتجين ضمن صورة واحدة تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وتزداد أهمية هذا الملف في مرحلة تواجه فيها بنية النظام السياسية والأمنية ضغوطاً متداخلة في الداخل والخارج. فإبقاء حقوق الإنسان في واجهة النقاش لا يقتصر على تسجيل الانتهاكات وإصدار بيانات الإدانة، بل يفتح الطريق أمام تحديد المسؤوليات، وحفظ الأدلة، وحماية الشهود، وملاحقة المتورطين، وإبقاء قضايا الضحايا حاضرة في أي نقاش دولي بشأن مستقبل إيران وعلاقاتها الخارجية.

ويمنح التعامل مع الانتهاكات باعتبارها شأناً داخلياً السلطات مساحة أوسع للاستمرار والإفلات من العقاب. أما نقل الملف من التوثيق الحقوقي إلى المساءلة القانونية والسياسية، فيعني أن الجرائم لا تنتهي بانتهاء الاحتجاجات، وأن المسؤولين عنها قد يواجهون الملاحقة بعد سنوات من وقوعها.

وتأتي الإعدامات في مقدمة هذا السجل، ليس بسبب أعدادها فقط، وإنما نتيجة استخدامها في قضايا ذات صلة بالاحتجاجات والمعارضة والاتهامات الأمنية والسياسية. وقد حذرت منظمات حقوقية دولية من تحول عقوبة الإعدام إلى أداة لترهيب المجتمع وردع المعارضين، خصوصاً عندما تصدر الأحكام عقب محاكمات تثار حولها شبهات تتعلق بالاعترافات القسرية، وحرمان المتهمين من الدفاع المستقل، وغياب ضمانات المحاكمة العادلة.

وفي هذا السياق، لا تبدو أحكام الموت إجراءات قضائية منفصلة عن الصراع السياسي، بل جزءاً من منظومة ردع تستهدف إرسال رسالة إلى المجتمع مفادها أن المشاركة في الاحتجاج أو الارتباط بالمعارضة قد يقودان إلى أقسى العقوبات. ولهذا تتجاوز آثار الإعدام الشخص المحكوم عليه لتطال أسرته ومحيطه الاجتماعي والقطاعات التي يمكن أن تفكر في العودة إلى الشارع.

وتحتل قضية المرأة موقعاً مركزياً داخل هذه المواجهة. فقد أظهرت انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022 أن الخلاف لم يعد محصوراً في الحجاب الإجباري أو بعض القوانين الاجتماعية، بل أصبح صراعاً حول سلطة الدولة على الجسد والحياة العامة وحق النساء في الاختيار والمشاركة السياسية والاجتماعية.

وكشفت الاحتجاجات حجم الفجوة بين النظام وقطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما الشباب والنساء. كما أظهرت أن القيود المفروضة على المرأة ليست أحكاماً اجتماعية متفرقة، بل جزء من منظومة رقابة تشارك فيها أجهزة الأمن والقضاء والمؤسسات الحكومية، وتستخدم فيها الغرامات والاعتقال والحرمان من الخدمات والضغط على الأسر وأماكن العمل.

ويبقى ملف السجناء السياسيين والمعتقلين من أكثر الملفات دلالة على طريقة تعامل السلطات الإيرانية مع المعارضة. فالتهم الأمنية الفضفاضة، مثل «الدعاية ضد النظام» أو «التآمر على الأمن القومي»، تتيح تجريم نشاطات سياسية وحقوقية وإعلامية لا تنطوي بالضرورة على عنف.

وتتحدث تقارير حقوقية عن احتجاز معتقلين في ظروف قاسية، وحرمان بعضهم من الرعاية الطبية أو التواصل المنتظم مع أسرهم ومحاميهم، فضلاً عن استخدام العزل الانفرادي والضغط النفسي خلال التحقيق. ولا تتعلق القضية هنا بمصير أفراد فقط، بل بتحويل القضاء إلى امتداد للأجهزة الأمنية وأداة لضبط المجال العام.

ولا يمكن فصل هذه الانتهاكات عن أوضاع الأقليات القومية والدينية وسكان المناطق الحدودية، ولا سيما الكرد والبلوش. فقد أثارت عمليات إطلاق النار على العتالين الكرد وناقلي الوقود البلوش انتقادات حقوقية وأممية، لأن استخدام القوة المميتة ضد أشخاص دفعتهم الأوضاع الاقتصادية الصعبة إلى العمل في أنشطة حدودية محفوفة بالمخاطر يكشف تداخل القمع مع التمييز والفقر والتهميش الجغرافي.

وتواجه المناطق الكردية والبلوشية وغيرها مستويات مرتفعة من البطالة وضعف الخدمات والاستثمار، بالتزامن مع حضور أمني كثيف. وعندما تتحول المطالب الاقتصادية أو الاحتجاجات المحلية إلى قضايا أمنية، يصبح التهميش جزءاً من دورة أوسع تبدأ بالحرمان وتنتهي بالقمع.

وهنا تكمن القوة السياسية لملف حقوق الإنسان. فنظام طهران يستطيع المناورة في المفاوضات النووية، ومقايضة النفوذ الإقليمي بالعقوبات، واستخدام الأزمات الخارجية لحشد أنصاره، لكنه يجد صعوبة أكبر في الإجابة عن أسئلة تتعلق بأسماء الضحايا، ومصير المعتقلين، وهوية الجهات التي نفذت عمليات القتل، والمسؤولين الذين أصدروا الأوامر.

وتظل الأدلة المحفوظة قادرة على ملاحقة المسؤولين حتى بعد تغير الظروف السياسية. ولذلك فإن توثيق الانتهاكات ليس نشاطاً إعلامياً مؤقتاً، وإنما عملية طويلة لبناء ملفات يمكن استخدامها أمام المحاكم والمؤسسات الدولية، أو أمام القضاء في الدول التي تسمح قوانينها بتطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية.

وتنبع أهمية الملف أيضاً من قدرته على جمع قضايا تبدو متباعدة داخل رواية واحدة: امرأة تتعرض للعقاب بسبب اختيارها، ومحتج يُعتقل بسبب هتافه، وسجين سياسي يُحرم من العلاج، وكردي أو بلوشي يُقتل على الحدود، ومحكوم بالإعدام ينتظر تنفيذ الحكم عقب محاكمة مطعون في عدالتها.

تكشف هذه الوقائع، عند جمعها، أن المشكلة لا تقتصر على تجاوزات يرتكبها أفراد أو أجهزة بعينها، بل تتصل بطبيعة النظام وآليات حماية السلطة وموقع المواطن داخل الدولة. ولذلك لا يكفي التعامل معها بوصفها حوادث منفصلة أو أخطاء ميدانية، بل ينبغي فحص السياسات وسلاسل القيادة والقرارات التي سمحت بوقوعها واستمرارها.

ويحتاج تحويل حقوق الإنسان إلى ملف مركزي إلى عمل يتجاوز الإدانات الدبلوماسية. فهو يتطلب توثيقاً مهنياً للانتهاكات، والتحقق من الشهادات والمواد المرئية، وحماية الضحايا والشهود، وتحديد المسؤولين المباشرين وأصحاب القرار، ثم متابعة الملفات أمام المؤسسات القضائية والحقوقية المختصة.

كما يتطلب الأمر مقاومة محاولات تسييس الملف على نحو يضعف صدقيته. فالدفاع عن حقوق الإيرانيين لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لحرب خارجية أو أداة انتقائية في الصراعات الدولية، بل يجب أن يبقى مرتبطاً بحقوق الضحايا وبالمعايير القانونية نفسها، بصرف النظر عن حسابات الدول ومصالحها مع طهران.

وقد سمحت أولوية الملفات النووية والأمنية والإقليمية، طوال سنوات، بتراجع قضية حقوق الإنسان إلى مرتبة ثانوية في علاقات الحكومات الغربية مع إيران. وكانت النتيجة أن استطاع النظام استخدام المفاوضات والصفقات وتبادل المصالح لعزل ملفه الداخلي عن بقية القضايا.

لكن الفصل بين السلوك الداخلي والخارجي للنظام يبدو أقل قابلية للاستمرار. فالسلطة التي تستخدم القوة والقضاء الاستثنائي والإعدام لإدارة المجتمع في الداخل تنقل المنطق نفسه إلى تعاملها مع محيطها، عبر الأجهزة الأمنية والشبكات المسلحة والعمليات العابرة للحدود.

ولا تعني مركزية حقوق الإنسان أن هذا الملف سيؤدي وحده إلى تغيير النظام، لكنه يستطيع تضييق مساحات المناورة أمامه، وإضعاف محاولاته لإعادة تقديم نفسه دولياً، ورفع الكلفة السياسية والقانونية لاستمرار القمع. كما يمنح الضحايا وعائلاتهم مساحة للاعتراف بما تعرضوا له، بدلاً من ترك الرواية الرسمية تحتكر تفسير الأحداث.

إن الإفلات من العقاب لا يحمي الضحايا ولا يمنع تكرار الجرائم، بينما تستطيع المساءلة المتواصلة تحويل الانتهاكات إلى عبء تراكمي على النظام. وقد تتغير التحالفات وتتبدل أولويات الحكومات، لكن الملفات الموثقة تبقى قادرة على الوصول إلى المحاكم والهيئات الدولية عندما تتوافر الظروف القانونية والسياسية المناسبة.

وفي المحصلة، يمثل ملف حقوق الإنسان الخاصرة الأكثر حساسية بالنسبة إلى نظام طهران، لأنه يكشف التناقض بين الصورة التي يقدمها عن نفسه وبين واقع المواطنين الخاضعين لسلطته. كما يضع في واجهة المشهد سؤالاً لا تستطيع الدعاية الإجابة عنه: كيف يمكن لنظام يدعي تمثيل الشعب أن يحكمه بالإعدام والاعتقال والتمييز والقوة؟

إن إبقاء هذا الملف في صدارة الاهتمام لا يعني الاكتفاء باستعادة صفحات مؤلمة من الماضي، بل منع إغلاقها من دون عدالة. وكلما تحولت الشهادات إلى أدلة، والأسماء إلى ملفات، والانتهاكات إلى مسؤوليات محددة، أصبح من الصعب على السلطة دفن الحقيقة أو الهروب من المحاسبة.