هناء باهارون تكتب لـ(اليوم الثامن):

بين الحساب والحدس.. اسأل روحك عندما يعجز العقل ويضطرب القلب

اسأل نفسك وأنت تمضي في هذه الحياة: على أي أساس تبني قراراتك واختياراتك؟ هل تحتكم إلى العقل والمنطق، أم تنحاز إلى القلب والعاطفة؟ وأيهما أقرب إلى الصواب؟ أم أن هناك طريقاً ثالثاً، لا ينتبه إليه إلا القليل، يجمع بين وعي العقل وصدق القلب وطمأنينة الروح؟

لطالما حيّرت هذه الأسئلة الإنسان، لأن الاختيار لا يجري دائماً بين صواب واضح وخطأ مكشوف. فكثير من القرارات تقع في مناطق رمادية؛ يبدو فيها العقل مقنعاً، بينما يعترض القلب، أو تميل إليها العاطفة، في حين تشير الوقائع إلى مخاطر لا يمكن تجاهلها.

بعض الناس يفضلون الاستماع إلى القلب، بحثاً عن الراحة والسعادة والانسجام الداخلي. وآخرون يمنحون العقل الكلمة الأخيرة، اعتقاداً منهم أن الحساب والمنطق يوفران قدراً أكبر من الأمان، ويقللان فرص الوقوع في الخطأ. وبين الطريقين تجارب تنجح أحياناً وتتعثر أحياناً أخرى.

العقل نعمة عظيمة منحها الله للإنسان، وبه استطاع أن يتعلم ويميز ويخطط ويبني الحضارات. وهو الأداة التي نقرأ بها الوقائع، ونوازن بين المكاسب والخسائر، ونختبر الاحتمالات قبل اتخاذ القرار. ومن الخطأ التقليل من شأنه أو التعامل معه بوصفه عائقاً أمام الإيمان أو الصفاء الداخلي.

لكن العقل، على أهميته، يعمل بما يتوافر له من معلومات. فإذا كانت المعلومات ناقصة، أو كانت بعض الحقائق محجوبة، فقد يصل الإنسان إلى نتيجة تبدو منطقية، لكنها لا تكون صائبة. المشكلة هنا ليست في العقل نفسه، بل في حدود ما يعرفه وفي الزاوية التي ينظر منها إلى الأمور.

قد يبني الإنسان قراره على وقائع ظاهرة، ثم يكتشف لاحقاً وجود أبعاد لم يكن يعلمها. وقد يحسب الأرباح والخسائر بدقة، لكنه يغفل أثراً أخلاقياً أو إنسانياً لا يظهر في الأرقام. ولهذا لا يضمن التفكير المنطقي وحده الوصول إلى القرار الصحيح في كل مرة، وإن كان يظل جزءاً أساسياً من أي اختيار مسؤول.

أما القلب، فهو مساحة المحبة والرحمة والخوف والغضب والتعلق. ويمكنه أن يقود الإنسان إلى مواقف نبيلة لا تفسرها المصلحة المباشرة، لكنه قد يدفعه أيضاً إلى التسرع حين تسيطر عليه الرغبة أو الكراهية أو الانتقام.

وتقدم قصة هند بنت عتبة، كما ترويها المصادر التاريخية، مثالاً على قدرة الفقد والغضب والرغبة في الثأر على توجيه السلوك. فقد دفعتها خسارة أبيها وأخيها وعمها في بدر إلى موقف شديد العداء، وارتبط اسمها في الروايات الشائعة بما جرى لحمزة بن عبدالمطلب في معركة أُحد. وبصرف النظر عن اختلاف الروايات في بعض التفاصيل، فإن المغزى واضح: القلب حين يستسلم للغيظ لا يصبح دليلاً معصوماً، بل قد يحجب عن الإنسان ما يراه بعد زوال الغضب.

إذن، العقل ليس معصوماً، والقلب ليس معصوماً. فهل توجد وسيلة أخرى تساعد الإنسان عندما تتعارض حساباته مع مشاعره؟

هنا تظهر أهمية الروح، لا باعتبارها صوتاً غامضاً يقدم إجابات جاهزة، ولا بوصفها بديلاً عن التفكير والدليل، بل باعتبارها ذلك العمق الداخلي الذي تتصل فيه الفطرة بالضمير، ويهدأ عنده ضجيج الخوف والرغبة والمصلحة.

الإنسان في لحظات السكون الصادق يستطيع أن يرى دوافعه بوضوح أكبر. يسأل نفسه: هل أتخذ هذا القرار لأنه صحيح، أم لأنني أخاف الخسارة؟ هل أرفض هذا الطريق لأنه خاطئ، أم لأنه يتطلب مني شجاعة لا أملكها؟ هل ما أسمعه صوت الضمير، أم مجرد رغبة أحاول منحها اسماً أرفع؟

الاتصال بالروح لا يعني تعطيل العقل، بل تحريره من الضجيج. ولا يعني اتباع كل إحساس عابر، بل التمييز بين الطمأنينة العميقة والانفعال المؤقت. فالروح لا تُستدعى لتبرير الأهواء، وإنما لإخضاعها للمراجعة.

وفي قصة موسى والخضر، كما وردت في سورة الكهف، إشارة عميقة إلى محدودية الحكم المستند إلى الظاهر وحده. فقد رأى موسى عليه السلام خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، فاعترض بناءً على ما ظهر أمامه؛ لأن الأفعال بدت مخالفة للعدل والمنطق. لكن الخضر كشف له لاحقاً جوانب لم يكن قد أحاط بها علماً.

لم يكن اعتراض موسى خطأ أخلاقياً؛ فقد حكم بما يعرفه، وكان موقفه منسجماً مع ظاهر الأحداث. غير أن القصة تعلم الإنسان ألا يتعامل مع معرفته المحدودة بوصفها إحاطة كاملة بالحقيقة. قال تعالى: «وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً».

ولا تعني القصة أن يتخلى الإنسان عن العقل أو يقبل الأفعال الغامضة من دون مساءلة، فالخضر كان مؤيداً بعلم من الله، وهذه خصوصية لا يجوز أن يدعيها أحد لنفسه. لكن دلالتها الإنسانية باقية: ما نراه ليس دائماً كل ما يوجد، وما نفهمه في اللحظة قد يتغير عندما تتكشف لنا الصورة الأوسع.

أما حمزة بن عبدالمطلب، فتربط الروايات التاريخية بداية إسلامه بموقفه دفاعاً عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعدما بلغه أن أبا جهل أساء إليه. وربما بدأت اللحظة بدافع الغضب والحمية، لكنها لم تتوقف عند الانفعال؛ إذ تحولت إلى إيمان واختيار وثبات.

وتوضح هذه القصة أن القرار الإنساني لا يصدر دائماً من مصدر واحد. فقد تبدأ الخطوة من القلب، ثم يراجعها العقل، وتستقر في الروح بعد أن يختبر الإنسان صدقها. وهذا أقرب إلى طبيعة البشر من الفصل الصارم بين العقل والقلب والروح.

كما أن التأمل والخلوة ليسا دعوة إلى الانفصال عن الحياة أو الهروب من المسؤولية. فالخلوة النافعة هي مساحة مؤقتة يبتعد فيها الإنسان عن ضغط الآخرين، حتى يسمع نفسه ويعيد ترتيب أفكاره ويراجع نياته. وقد عرفت التجارب الدينية والفلسفية أشكالاً متعددة من العزلة والتأمل، لكن قيمة هذه الممارسات لا تكمن في الانغلاق، بل في العودة إلى الحياة بوعي أوضح.

ولا يصح اختزال التأمل الديني في ممارسات حديثة مثل اليوغا، أو اعتبار كل الممارسات الروحية شيئاً واحداً؛ فلكل تجربة مرجعيتها ومفاهيمها. لكن بينها قاسماً مشتركاً يتمثل في تهدئة الضجيج، والانتباه إلى الداخل، ومراجعة الذات بعيداً عن الاندفاع.

وقد دعا القرآن الكريم إلى التفكر والتدبر والنظر في النفس والكون، لكنه لم يجعل الشعور الداخلي مصدراً مستقلاً للحقيقة أو بديلاً عن الوحي والعقل. فالإنسان قد يظن أن هواه إلهام، وأن خوفه حدس، وأن تعلقه إشارة. ولهذا يحتاج صوت الداخل إلى ميزان أخلاقي ومعرفي يحميه من الوهم.

قال تعالى: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً»، سورة الإسراء، الآية 85.

تذكرنا الآية بأن حقيقة الروح من الأمور التي استأثر الله بعلمها، وأن معرفة الإنسان، مهما اتسعت، تبقى محدودة. ولذلك لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الروح إلى ادعاء امتلاك معرفة خفية، أو قدرة على استباق المستقبل، أو عصمة من الخطأ.

قد ينظر بعض الناس إلى من يتخذ قراراً غير مألوف بوصفه متهوراً أو حالماً، ثم يصفونه بالعبقرية إذا نجح. لكن غرابة القرار لا تجعله صحيحاً، مثلما لا يجعل رفض المجتمع له دليلاً على بطلانه. المعيار الحقيقي هو مقدار ما يستند إليه من قيم ووعي ومعرفة واستعداد لتحمل النتائج.

فالطريق الأكثر أماناً ليس أن نلغي العقل لمصلحة القلب، ولا أن نقمع القلب باسم المنطق، ولا أن ننسب رغباتنا إلى الروح. الطريق الأعمق هو أن نجمع بين الثلاثة: عقل يفحص الوقائع، وقلب يحفظ إنسانيتنا، وروح تسأل عن المعنى والغاية.

وعندما تواجه قراراً مصيرياً، اجمع المعلومات أولاً، وافحص البدائل والنتائج. ثم راقب مشاعرك: ما الذي تخشاه، وما الذي تريده، وهل تؤثر جراحك أو رغباتك في حكمك؟ بعد ذلك امنح نفسك وقتاً للهدوء، وصلِّ واستخِر واستشر من تثق بحكمتهم، ثم اتخذ قرارك وتحمل مسؤوليته.

فالروح الصادقة لا تخشى السؤال، والعقل الناضج لا يدعي الإحاطة بكل شيء، والقلب السليم لا يطلب سعادة تقوم على ظلم الآخرين أو إيذائهم.

وحين تعجز عن معرفة ما هو الأصلح لك، لا تتسرع ولا تستسلم للضجيج. اسأل عقلك عما يعرف، واسأل قلبك عما يشعر، ثم اسأل روحك عما يبقى صحيحاً عندما يهدأ الخوف وتنطفئ الرغبة في إرضاء الآخرين.

هناك في أعماق الإنسان مساحة أهدأ من الانفعال، وأوسع من الحساب المباشر. لكنها لا تتحدث دائماً بصوت مرتفع، ولذلك تحتاج إلى صدق وشجاعة وصمت حتى تُسمع.

والآن، هل ستراجع قراراتك القديمة والجديدة؟ وهل ستسأل نفسك، قبل كل اختيار: أهذا صوت العقل، أم اندفاع القلب، أم طمأنينة الروح؟

ربما لا يمنحك السؤال جواباً فورياً، لكنه قد يمنعك من السير طويلاً في طريق لم تختره أنت حقاً.