تقرير أردني..
كيف تحضر الخبيرات "على استحياء" في الإعلام العربي؟
الصورة الباهتة للمرأة كخبيرة متخصصة قوية في مجالها هو امتداد لواقعها في ذهننا العربي
يحتاج المتابع طويلاً ليستذكر المرة الأخيرة التي شاهد فيها خبيرة عسكرية تتحدّث عبر شاشات التلفزة، أو مختصة في العلوم السياسية تعلّق على غارة جويّة ما؛ إذ يستحوذ الخبراء والمختصّون (الذكور) على المشهد السياسي بالمجمل، بما فيه شقّه الإعلامي، تاركين للخبيرات والمختصّات شؤوناً "أكثر خفة"، إن جاز التعبير، كمثل تربية الطفل والموضة وعلم النفس، وما إلى ذلك.
الصورة الباهتة للمرأة كخبيرة متخصصة قوية في مجالها هو امتداد لواقعها في ذهننا العربي وفي حضورها المجتمعي
ذات حوار صحفي أكاديمي، قالت الإعلامية محاسن الإمام، وهي المؤسّسة لاحقاً لمركز الإعلاميات العربيات: إنّ اعتماد المرأة كمصدر للمعلومات وخبيرة في الإعلام "مرهون بتغيير الموروث الثقافي عند الرجل وصاحب المؤسسة الإعلامية والعاملين فيها".
وقالت الإمام، آنذاك: "عدم إعطاء المرأة فرصة الظهور والتواجد في الإعلام سيعيق، بالتالي، جعلها مصدراً للمعلومة؛ إذ الحلقة لا بدّ من أن تكون مكتملة وليست منقوصة".
استطلعَت "حفريات" آراء عدد من المنخرطين في المشهدين الإعلامي والإبداعي حول مدى اعتماد الإعلام للمرأة كخبيرة ومصدر للمعلومة، فكان التالي:
الصحفية المصرية المختصة في "الإعلام والجندر" إسراء صالح، تقرّ: من خلال عملي في أكثر من مؤسسة إعلامية، سواء في الصحافة المكتوبة أو المسموعة والمرئية، لاحظت غياب الخبيرات النساء عن المشاهد الإعلامية، بالأخص في الملفات السياسية والأزمات الدولية.
بمتابعة بسيطة لنشرات الأخبار والبرامج الإخبارية والسياسية؛ أجد إما تغييباً تاماً للنساء، أو فجوة جندرية كبيرة، بمعنى أنّه لو كان هناك 4 ضيوف مثلاً فإنّ امرأة واحدة فقط تتواجد بينهم، وفي حال كان البرنامج أسبوعياً فممكن أن نشاهد المرأة فيه مرة واحدة في الشهر، وهكذا، لعلّ السبب هو الصورة النمطية المرتبطة بالنساء في مجتمعاتنا الأبوية والتي تحصرهن في بعض الأدوار التقليدية، ليس منها المجال العام، باعتبار أنّ المجال الخاص، الممثل في البيت والأسرة، هو المكان الأنسب للنساء، فبالتالي ثمة عدم ثقة في النساء للمشاركة في قضايا مهمّة تخصّ المجال العام والسياسة، ليس لدينا نقص في الخبيرات، بل على العكس، لكنْ هناك إصرار على عدم رؤيتهن.
مشارقة: إجحاف وتحيّز
المدرّب الإعلامي والصحفي صالح مشارقة، يقول: وسائل إعلامنا تدعي زوراً أنّها صديقة للنساء الخبيرات، أو حتى العاديات، لكن عندما نحلّل، كمّاً أو كيفاً، طريقة ظهور النساء في وسائل الإعلام، فإننا نجد أنّ هذه الوسائل للأسف تعيد إنتاج النساء في صورهن النمطية وأدوارهن التقليدية.
حتى اليوم، ننشر صور اللاعبات العالميات والممثلاث بالألوان، فيما صور النساء العربيات العاديات، أو الخبيرات، بالأبيض والأسود، وبخجل شديد.
وعندما نفكر بقائمة متحدثين في تقرير إخباري للصحافة، المكتوبة أو المرئية أو المسموعة؛ فإنّ أسماء الرجال فقط هي ما تتبادر إلى ذهننا، وهذا إجحاف وإعادة إنتاج للتحيّز والتمييز المقصود وغير المقصود حيال النساء.
الصفحات الأولى من الصحف والمواقع الإلكترونية خالية من خبيرات، حتى في حقول قريبة من عالم النساء، بحسب التقسيم التقليدي للأدوار مثل الصحة والأسرة.
على الشاشات؛ نادراً ما نجد أن معدّي إحدى نشرات الأخبار قد تعمّد تغيير الصورة النمطية عن المعلّقين أو المحلّلين واستعان بشخصية نسائية للحديث.
للأسف؛ الادّعاء بأنّ الصحافة حقل إنساني حديث وينتج قيماً ومعايير جديدة للمجتمعات، ادّعاء غير صحيح، والصحافة والصحفيون يشاركون في التمييز ضدّ النساء، بقصد وبغير قصد، وهذه وصمة في صحافتنا العربية وعلينا تغييرها.
خضر: هل النساء فقط خبيرات في المسائل الضحلة؟
تقول الشاعرة والكاتبة صونيا خضر: لطالما نادينا بالعمل على إنتاج برامج متخصصة يستفاد فيها من خبرة النساء في المجالات كافة، وفي أوقات الذروة للمشاهدة، هذا على صعيد الإعلام المرئي، الذي يأتي بالنساء إلى برامج لا تحظى بنسبة مشاهدة عالية وفي مجالات نمطية فقط، كالتربية والتغذية وما إلى ذلك، وفي الإعلام المقروء، لطالما أُفرِدَت الأعمدة والتنظيرات السياسية للرجال فحسب.
الإعلام يدرج الخبرات النسوية ضمن الأبواب التقليدية التي على النساء إتقانها مثل: زاوية الطبخ، وتربية الأطفال، والتجميل، والتداوي بالأعشاب
غالباً ما تتم استضافة الخبيرات خلال البرامج الصباحية، التي تعدّ خفيفة وضحلة مقارنة بالبرامج المسائية، سواء كان هذا على مستوى المشاهدات والأهمية، والوصول إلى الشرائح المستهدفة، وكما هو معلوم؛ فإنّ مقدّمي البرامج الصباحية ليسوا مختصين بمحاورة المتخصصين أصلاً، عطفاً على أنّ مهمتهم تقتصر على تقديم الفقرات المنوعة الخفيفة التي تناسب التوقيت الصباحي والشريحة المتابعة لهم، لذلك، حتى إن تمّت استضافة خبيرة ما، ستكون هذه الاستضافة محكومة بالوقت والأسئلة السطحية التي لا تخدم ولا تستوفي كلّ جوانب المادة المراد تقديمها.
الغريب في الأمر، ونحن على أعتاب العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين؛ أنّ الإعلام المقروء ما يزال يدرج الخبرات النسوية ضمن الأبواب التقليدية "التي ينبغي على النساء إتقانها" مثل: زاوية الطبخ، وتربية الأطفال، والتجميل، والتداوي بالأعشاب، متناسياً، أو غاضاً البصر، عن الخبيرات المساويات، إن لم يكن المتفوقات على الخبراء، في كافة المجالات الأخرى.
شقير: على المرأة أن تفرض حضورها
طالبة دكتوراه في الإعلام بجامعة "يورك" البريطانية، الصحفية هديل شقير، تقول: ثمة غياب تُلام المرأة نفسها عليه، صحيح أنّ وضع المرأة العربية، عامةً وفي كلّ المجالات، ليس بأحسن حالاً، لكنّها عندما تتمكّن من تخصص ما وتثبت ذاتها فيه تبقى مسألة فرض وجودها في المشهد الإعلامي مسألة قائمة على مجهودها هي، فإمّا تتكاسل، أو تبتعد عن تسويق خبراتها، أو تعمل على خبرتها لتطوّرها وتنافس الرجل وتظهر في المشهد. على سبيل المثال؛ الدكتورة فاطمة الصمادي، المختصة في الشأن الإيراني، أثبتت نفسها في تخصصها فظهرت في المشهد الإعلامي بصورة لا أرى لها منافساً، ونوّارة نجم، مثلاً، ظهرت بشكل مميز لخبرتها بصفتها ناشطة وصحفية ومهتمة بحقوق الإنسان، فكانت مشاركاتها أثناء الثورة المصرية علامة مميزة، المسألة، في رأيي، لم تعُد مسألة رجل وامرأة، المسألة مسألة خبرَة مُنافِسة.
تواجُد المرأة الخبيرة في المشهد الإعلامي في الغرب أوضح، وقد يكون هذا الحضور مؤكِّداً للنقطة التي أثرتُها، بأنّ المرأة ذاتها هي التي تفرض وجودها؛ ذلك لأنّه، رغم الانطباع العام عن حقوق المرأة في الغرب، بأنّها على أفضل حال، أنا لا أراها كذلك، ومن هنا فإنّ واقع المرأة الغربية، كذلك، لا يخلو من تحديات، لكن همّتها للظهور والتفوق قد تكون أكبر منها في الحالة العربية.
حمادة: صورة المرأة امتداد لواقعها
الإعلامي اللبناني السويدي قاسم حمادة يؤكد: ثمة توجّه في الإعلام الغربي، يبدو ظاهراً بقوة، نحو إشراك المرأة وإظهارها في المجالات كافة، حتى تلك التي بقيت زمناً طويلاً حكراً على الرجال، مثل النزاعات السياسية والبورصة وما إلى ذلك، لكن في المشهد الإعلامي العربي لا يمكن لأيّ منا إنكار ضعف حضور المرأة وربطها بصور نمطية درجنا عليها، من قبيل تربية الطفل والطبخ وما إلى ذلك، وحين صير لتطوير بعض هذه المجالات؛ كانت التغذية والموضة وطبّ الأسرة والأمور التجميلية.
الصورة الباهتة للمرأة كخبيرة متخصصة قوية في مجالها، هو امتداد لا يمكن إنكاره لواقعها في ذهننا العربي وفي حضورها المجتمعي
"الفبركة".. أداة إعلام الإخوان الفاشلة للتحريض ضد مصر
شهدت الأيام الماضية حملة إعلامية من قنوات تابعة لتنظيم الإخوان أو محسوبة عليه خارج مصر، للترويج لدعوات من أجل التظاهر ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو ما اعتبره إعلاميون مصريون "فبركة" قصد منها التحريض بشتى صوره.
وبعد أسبوع كامل من الحشد الإعلامي الخارجي وحملات أخرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يتمخض يوم الجمعة الماضي عن المظاهرات التي كان يروج لها، فلم يزد العدد عن العشرات في مناطق متفرقة.
وقال الصحفي المصري أشرف أبو الهول لـ"سكاي نيوز عربية"، إن "كل ما تدعيه القنوات العميلة في تركيا غير حقيقي. كان هناك تزييف كبير للأخبار".
وأشار إلى أن "حملة التضليل انهزمت أمام وعي الناس الذي يعرفون رغم المصاعب الاقتصادية أن هناك جهودا كبيرة تبذل من أجل البناء".
وقال أبو الهول إن "هناك مجهودا كبيرا يبذل من أجل تفنيد وكشف مدى كذب الصفحات المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي".
"كل هذه الترهات موجودة فقط على القنوات الموجودة في قطر وتركيا، وهذا يكشف كيف يحاولون تزييف وعي المصريين وخداعهم، وهو ما يستلزم تحركا رسميا مصريا تجاه هذه الدول التي تحاول إشعال الحروب الداخلية في الدول"، حسب الإعلامي.
ملعب السوشال ميديا
وبالنسبة للكاتب الصحفي عماد الدين حسين، فإن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الملعب الرئيسي لحركات مثل تنظيم الإخوان، فيما تراجع دور وسائل الإعلام التقليدية.
لكن حسين أشار لـ"سكاي نيوز عربية"، إلى أن حديث السيسي "كان بمثابة رسالة طمأنة للشعب بأن الوضع غير مقلق، بينما ألمح إلى أنه قد يدعو إلى تفويض شعبي جديد عبر نزول ملايين المصريين إلى الشارع، في مراهنة منه على مدى الشعبية التي يتمتع بها والوعي الذي يتحلى به المصريون في مواجهة حملات التزييف الخارجية".
وأوضح الرئيس المصري لدى عودته من نيويورك صباح الجمعة، أن "الموضوع لا يستحق. لازم تعرفوا أن الشعب المصري بات واعيا، لا تقلقوا من أي شيء".
وأضاف: "البعض يرسم صورة خاطئة عبارة عن كذب وتشويه. والكتائب الإلكترونية تشتغل بهدف تقديم صورة غير حقيقية".
ووجه السيسي رسالة للمصريين بالقول "يا مصريين خلي بالكم (انتبهوا) من هذه الحرب. لا تصدقوهم. مصر مكانها كبير بشعبها".
وكان النائب العام المصري أعلن، الخميس، استجواب نحو ألف شخص متهمين بالمشاركة في مظاهرات غير مرخصة الجمعة الماضية، وذلك بحضور محاميهم بالنيابة العامة.
واتضح من اعترافات الموقوفين أمام النيابة العامة أن دوافع التظاهر تباينت من سوء الأحوال الاقتصادية لدى البعض، ووقوع آخرين ضحية خداع صفحات وهمية دعت للتظاهر.
وكان حسين قد أشار في مقال له إلى أن "الإعلام الخارجى سقط سقطة جوهرية، حينما فبرك وزور واختلق العديد من الأخبار والفيديوهات، لكن ذلك لم يكن ليتم لولا الغياب شبه الكامل لوسائل الإعلام المصرية، لتنقل الحقيقة، وتلك مشكلة تتفاقم خطورتها يوما بعد يوم".
وبحسب حسين، فـ"فى هذه الليلة اكتشفنا أن وسائل التواصل الاجتماعى، يمكنها أن تحل محل عشرات الأحزاب والتنظيمات، بقليل من الأخبار الصحيحة، والكثير من فبركة أخبار وفيديوهات وقصص بل وحالات وفيات، رأينا أصحابها يخرجون لينفون نبأ موتهم أو مقتلهم، للدرجة التى دفعت البعض للقول: (لا يهم ما يحدث على أرض الواقع، المهم الانطباع الذى يصل إلى المواطنين) وفى هذه الليلة، وكما قال البعض متندرا فإن (من شاهد قنوات الإخوان فقد اعتقد اندلاع ثورة شعبية شاملة، ومن شاهد القنوات الرسمية فقد كان الهدوء هو السائد، أما من شاهد القنوات الرياضية فقد كان الحدث هو احتفال جمهور الأهلي بالفوز على الزمالك!".
ودعا حسين في مقاله إلى ضرورة "إعادة الروح والحياة للإعلام المصرى، كى يمارس دوره الطبيعى فى نقل الأحداث والوقائع بمهنية واحترافية وتنوع فى إطار القانون، ووقتها سوف ينصرف الناس تماما عن (إعلام الترامادول) الذى يأتينا من الخارج، محملا بكل أنواع الفيروسات الملوثة"



