رسائل أممية حادة..

18 مليون جائع ونظام صحي منهار: الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر من "مرحلة الانهيار الكلي" في اليمن

حذرت الأمم المتحدة من هشاشة التهدئة في اليمن رغم احتمالات خفض التصعيد الإقليمي، مؤكدة استمرار المخاطر مع تفاقم الأزمة الإنسانية، وداعية الأطراف اليمنية لاستئناف المسار السياسي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان الجوع وانهيار الخدمات الصحية خلال المرحلة الحالية.

المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، يوجّه إحاطة لأعضاء مجلس الأمن بشأن الوضع في اليمن.

واشنطن

في ظل ترابط متزايد بين الأزمات الإقليمية والملف اليمني، أعادت الأمم المتحدة التأكيد على أن أي تهدئة بين القوى الكبرى في المنطقة قد تفتح نافذة لتخفيف التوتر في اليمن، لكنها في الوقت ذاته حذرت من الإفراط في التعويل على هذه المتغيرات الخارجية، في ظل هشاشة الوضع الداخلي واستمرار العوامل المهددة للاستقرار.

وخلال إحاطة أمام مجلس الأمن، قدّم المبعوث الأممي هانس غروندبرغ قراءة حذرة للمشهد، مشيراً إلى أن حالة الترقب التي تسود الأطراف اليمنية قد تدفعها إلى تجميد مواقفها بانتظار ما ستسفر عنه التطورات الإقليمية، في محاولة لتحقيق مكاسب دون تقديم تنازلات. هذا السلوك، بحسب تقديره، يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يربط مستقبل النزاع بعوامل خارجة عن السيطرة.

الطرح الأممي هنا يعكس تحذيراً ضمنياً من رهان سياسي متكرر في النزاعات الممتدة، حيث تميل الأطراف إلى تعليق قراراتها على متغيرات خارجية، بدلاً من الانخراط في تسويات داخلية. وفي الحالة اليمنية، يبدو هذا الرهان أكثر خطورة، نظراً لتداخل الملف مع قضايا إقليمية حساسة، مثل أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

وفي هذا السياق، شدد غروندبرغ على ضرورة حماية مسار السلام من تداعيات التصعيد الإقليمي، مؤكداً أن الحفاظ على حرية الملاحة لم يعد مسألة محلية، بل قضية دولية ترتبط مباشرة بالاستقرار الاقتصادي العالمي. هذا الربط يعكس تحوّل اليمن من ساحة نزاع داخلي إلى جزء من معادلة أوسع تتقاطع فيها المصالح الدولية.

وعلى مستوى الجهود السياسية، أشار المبعوث الأممي إلى سلسلة مشاورات مكثفة أجراها خلال الأشهر الماضية مع مختلف الأطراف اليمنية، إلى جانب قوى إقليمية ودولية، في محاولة للحفاظ على زخم العملية السياسية. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال تواجه تحديات تتعلق بغياب الثقة بين الأطراف، واستمرار الحسابات الضيقة.

في موازاة ذلك، تبرز قضية المحتجزين كأحد الملفات التي تعكس تعقيد المشهد. فالمفاوضات التي جرت في عمّان، والتي وُصفت بأنها الأطول من نوعها، أظهرت أن التفاهم لا يزال ممكناً في بعض القضايا الإنسانية، لكنها في الوقت ذاته كشفت حدود هذا التقدم، في ظل عدم التوصل إلى نتائج حاسمة حتى الآن.

الدعوة الأممية لتقديم تنازلات في هذا الملف تعكس إدراكاً بأن القضايا الإنسانية قد تشكل مدخلاً لبناء الثقة، لكنها تظل غير كافية في غياب تقدم سياسي شامل.

في جانب آخر، أعادت الأمم المتحدة تسليط الضوء على ملف الاحتجاز التعسفي، داعية جماعة الحوثيين إلى الإفراج عن موظفين أمميين وعاملين في منظمات دولية، في خطوة تعكس استمرار التوتر بين الأطراف المحلية والمنظمات الدولية، وتأثير ذلك على العمل الإنساني.

أما في ما يتعلق بالوضع الميداني، فقد أشار المبعوث الأممي إلى انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الحديدة، مع استمرار الجهود لدعم تنفيذ الاتفاقات القائمة. هذه الإشارة تعكس انتقالاً في طبيعة الدور الأممي، من المراقبة المباشرة إلى الدعم غير المباشر، في ظل تعقيدات الميدان.

لكن الصورة الأكثر قتامة تأتي من الجانب الإنساني، حيث كشفت إحاطة مسؤولة الشؤون الإنسانية إيديم ووسورنو عن أرقام تعكس حجم الكارثة. فمع حاجة أكثر من 22 مليون شخص للمساعدات، ووجود نحو 18 مليوناً يواجهون الجوع، يبدو أن الأزمة تجاوزت حدود الطوارئ إلى مرحلة الانهيار الهيكلي.

الأخطر أن هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المعاناة، بل تشير إلى اتجاه تصاعدي، حيث تتدهور المؤشرات بشكل مستمر، في ظل نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى المحتاجين. هذا الوضع يجعل من الأزمة الإنسانية عاملاً ضاغطاً إضافياً على أي مسار سياسي.

وفي ظل انهيار جزئي للنظام الصحي، وانتشار أمراض يمكن الوقاية منها، يصبح الحديث عن الاستقرار السياسي منفصلاً عن الواقع اليومي للسكان، الذين يواجهون تحديات تتعلق بالبقاء أساساً.

الدعوات التي وجهتها الأمم المتحدة لمجلس الأمن، سواء فيما يتعلق بالإفراج عن المحتجزين أو توفير التمويل أو دعم العملية السياسية، تعكس محاولة لإعادة ترتيب الأولويات، لكنها في الوقت ذاته تكشف محدودية الأدوات المتاحة.