القمع يؤجل الانفجار الإيراني..
تقرير: لماذا لم يسقط النظام الإيراني رغم الحرب والاغتيالات والضغوط المتصاعدة؟
تكشف التطورات الأخيرة في إيران أن بقاء الأنظمة المغلقة لا يرتبط فقط ببقاء قادتها، بل بقدرتها على إعادة إنتاج أدوات السيطرة الداخلية، حتى في لحظات الضعف القصوى، وسط تصاعد الضغوط الأمنية والاجتماعية وتزايد الشكوك حول مستقبل التوازن القائم
المرشد الإيراني علي خامنئي
في كل مرة تتعرض فيها إيران لهزة سياسية أو أمنية كبرى، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: لماذا لا يسقط النظام بشكل فوري رغم الضربات العنيفة التي يتعرض لها؟ ولماذا لا يؤدي غياب رأس السلطة، أو اهتزاز مركز القرار، إلى انهيار مباشر كما يحدث في بعض النماذج السياسية الأخرى؟
هذا التساؤل تصاعد مجدداً في ظل الحديث عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي خلال مرحلة توتر إقليمي وعسكري غير مسبوقة، وما رافق ذلك من مؤشرات على إعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام. غير أن قراءة طبيعة النظام الإيراني تكشف أن المسألة لا ترتبط بشخص واحد فقط، بل ببنية سياسية وأمنية معقدة تشكلت عبر عقود، وتقوم على توازنات متعددة بين المؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني.
في الأنظمة المغلقة، لا يؤدي غياب القائد بالضرورة إلى انهيار تلقائي، خصوصاً عندما يحدث ذلك في سياق حرب أو تهديد خارجي. فالحروب تمنح هذه الأنظمة مساحة لإعادة ترتيب صفوفها، وتعطيل ديناميكيات الانفجار الداخلي، عبر تحويل الأولوية من الصراع السياسي والاجتماعي إلى منطق “الدفاع عن الدولة”. وهذا ما يبدو أنه حدث في الحالة الإيرانية، حيث سمحت أجواء التصعيد العسكري بإعادة إنتاج مركز القرار بسرعة، مع بروز مجتبى خامنئي كلاعب محوري في إدارة مرحلة ما بعد والده.
وفي الوقت ذاته، أدت حالة التعبئة الأمنية والعسكرية إلى إبطاء مفاعيل الاحتقان الداخلي، دون أن تعني بالضرورة انتهاء الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام. فالأزمات الاقتصادية المتراكمة، واتساع الفجوة الاجتماعية، وتصاعد الاحتجاجات خلال السنوات الأخيرة، كلها مؤشرات على أن التوتر الداخلي لا يزال قائماً، لكنه دخل مرحلة كمون مؤقت بفعل الظروف الاستثنائية.
أما على مستوى الضربات العسكرية الخارجية، فقد أظهرت التجربة أن استهداف البنية العسكرية أو القيادية للنظام لا يكفي وحده لإسقاطه. فالنظام الإيراني لا يقوم على هرم سياسي تقليدي، بل على شبكة واسعة من المؤسسات الأمنية والعقائدية والاقتصادية المتداخلة، التي تمتلك حضوراً عميقاً داخل المجتمع ومفاصل الدولة. ولهذا، فإن الضربات الجوية أو الاغتيالات قد تُضعف النظام وتربكه، لكنها لا تفكك تلقائياً منظومة السيطرة الداخلية.
من هنا، يبرز في النقاش الإيراني مفهوم “الطريق الثالثة”، وهو الطرح الذي يراهن على التغيير الداخلي التدريجي، من خلال التقاء السخط الاجتماعي مع الفعل السياسي المنظم، بدلاً من التعويل الكامل على التدخل الخارجي أو الضربات العسكرية. ويستند هذا التصور إلى قناعة بأن أي تحول مستدام في إيران يجب أن ينبع من الداخل، عبر تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وصولاً إلى نقطة تحول كبرى.
وفي المقابل، يطرح سلوك النظام نفسه تساؤلات أخرى، خاصة فيما يتعلق بإصراره على منطق التصعيد بدلاً من التهدئة. فالتجارب التاريخية للأنظمة العقائدية تُظهر أنها كثيراً ما تستخدم الأزمات الخارجية كوسيلة لإعادة ضبط الداخل، وتحويل الانتباه عن التناقضات الداخلية. وفي هذا السياق، تُقرأ الهجمات التي طالت منشآت حيوية في الخليج خلال الفترات الماضية باعتبارها امتداداً لمنطق إدارة الأزمات عبر تصدير التوتر إلى الخارج.
ورغم محاولات السلطة الإيرانية إظهار التماسك، فإن كثيراً من المؤشرات توحي بأن النظام خرج من المرحلة الأخيرة أكثر هشاشة، لا أكثر قوة. فغياب خامنئي، والتحولات غير التقليدية في مركز القرار، وتصاعد الاعتماد على الأجهزة الأمنية، كلها تعكس حالة قلق متزايدة داخل بنية الحكم.
كما أن تصاعد الإعدامات وتشديد القبضة الأمنية قد لا يكون دليلاً على الثقة والاستقرار، بقدر ما يعكس خشية من انفجار داخلي محتمل، خصوصاً في ظل تغير المزاج الشعبي وتراجع قدرة الخطاب الأيديولوجي التقليدي على احتواء الغضب الاجتماعي.
وفي السياق الدولي، لا يبدو أن القوى الكبرى قد توصلت بعد إلى مقاربة موحدة للتعامل مع إيران. فبين من يدعو إلى الاحتواء الدبلوماسي، ومن يراهن على العقوبات والضغوط القصوى، تبقى الإشكالية الأساسية مرتبطة بمدى قدرة أي سياسة خارجية على التأثير في معادلة داخلية معقدة دون وجود مسار واضح للتغيير من الداخل.
في المحصلة، تبدو إيران اليوم أمام مرحلة انتقالية غير مكتملة المعالم؛ فالنظام لم يسقط، لكنه أيضاً لم يخرج من الأزمة سليماً. وبين استمرار القبضة الأمنية وتصاعد مؤشرات الهشاشة البنيوية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ينجح النظام في إعادة إنتاج توازنه القديم، أم أن التراكمات الحالية تمثل بداية تحول تاريخي أعمق في بنية الدولة الإيرانية؟



