خسائر حرب ممتدة..
الحرب تكشف كلفة باهظة على الموانئ والمطارات والطرقات في مناطق الحوثيين
أقرت جماعة الحوثيون بتكبد قطاع النقل في اليمن خسائر تتجاوز 23 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، وسط تناقض بين خطاب “الصمود” والإقرار بحجم الدمار الذي طال المطارات والموانئ والطرق والبنية التحتية الحيوية في البلاد.
للمرة الأولى منذ سنوات، تكشف جماعة الحوثيون بصورة علنية عن حجم الخسائر الهائلة التي تعرض لها قطاع النقل في اليمن، في اعتراف يعكس حجم التدهور الذي أصاب البنية التحتية للبلاد بعد أكثر من عقد من الحرب.
وخلال مؤتمر صحفي نظمته وزارة النقل التابعة لحكومة الجماعة في صنعاء، تحدث مسؤولون حوثيون عن خسائر تراكمية تجاوزت 23.2 مليار دولار، شملت المطارات والموانئ والطرق والجسور وشركات النقل، في واحدة من أكبر التقديرات الرسمية المتعلقة بحجم الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الحرب.
غير أن مضامين المؤتمر كشفت تناقضاً واضحاً في الخطاب الحوثي؛ فمن جهة، واصل المسؤولون الحديث عن “الصمود” والقدرة على تجاوز الضربات العسكرية، بينما أقروا في الوقت نفسه بانهيار واسع أصاب قطاعات النقل الحيوية وخروج أجزاء كبيرة منها عن الخدمة.
ويبدو هذا التناقض أكثر وضوحاً في ملف المطارات، حيث تحدثت الجماعة عن تدمير واسع طال مطارات تقع ضمن مناطق سيطرتها، بينها مطارا تعز والحديدة الدوليان، إضافة إلى مطاري صعدة والبيضاء المحليين، فضلاً عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بمطار صنعاء الدولي.
وقدّرت الجماعة حجم الخسائر في البنية التحتية للمطارات بأكثر من ملياري دولار، رغم تأكيدها في الوقت ذاته أن بعض المرافق استعادت “جاهزيتها التشغيلية” خلال فترات قصيرة، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه التقديرات وحجم الضرر الفعلي.
وفي ملف النقل الجوي، أشارت الجماعة إلى أن شركة الخطوط الجوية اليمنية تكبدت خسائر مباشرة وغير مباشرة تُقدّر بنحو 2.8 مليار دولار، دون التطرق إلى دور التصعيد العسكري الذي تبنته الجماعة في تعريض الشركة والبنية التحتية للطيران المدني لمخاطر متزايدة خلال السنوات الأخيرة.
كما أقرت الجماعة بأن موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى تعرضت لخسائر ضخمة بلغت نحو 8.7 مليار دولار، نتيجة الأضرار التي طالت الأرصفة والرافعات والمعدات التشغيلية، في وقت تحولت فيه هذه الموانئ إلى نقطة اشتباك إقليمي مرتبطة بالتوترات في البحر الأحمر.
ويرى مراقبون أن اعتراف الجماعة بهذه الخسائر يحمل دلالات تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ يعكس حجم التأثير الذي خلفته الحرب على البنية اللوجستية لليمن، والتي تُعد العمود الفقري لحركة التجارة والإمدادات الإنسانية في بلد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد.
وفي ما يتعلق بشبكة الطرق، تحدثت الجماعة عن تدمير أكثر من 8 آلاف كيلومتر من الطرقات، إضافة إلى أكثر من 100 جسر، مؤكدة أن إعادة تأهيل هذه البنية تتطلب مليارات الدولارات.
وتتقاطع هذه الأرقام مع تقديرات وتقارير سابقة صادرة عن جهات محلية ودولية، كانت قد حذرت من الانهيار المتسارع لقطاع النقل في اليمن، وتأثيره المباشر على أسعار السلع وتكاليف المعيشة وحركة التنقل بين المحافظات.
وكانت تقارير اقتصادية قد أشارت خلال الأعوام الماضية إلى تضاعف تكاليف النقل الداخلي عدة مرات مقارنة بفترة ما قبل الحرب، نتيجة تدمير الطرق، وارتفاع أسعار الوقود، وتعدد نقاط التفتيش، وتراجع كفاءة الموانئ والمطارات.
ويشير خبراء إلى أن أزمة النقل في اليمن لم تعد مجرد مشكلة خدمية، بل تحولت إلى عامل رئيسي في تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية، إذ ترتبط مباشرة بقدرة السكان على الوصول إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
وفي ظل استمرار الحرب وتعثر التسوية السياسية، تبدو إعادة بناء قطاع النقل في اليمن تحدياً طويل الأمد، ليس فقط بسبب حجم الدمار، بل أيضاً بسبب تعقيدات التمويل والاستقرار الأمني والانقسام السياسي الذي ما يزال يلقي بظلاله على مختلف مؤسسات الدولة.



