صحافة العالم تفتح ملف هزيمة "بن سلمان" في اليمن..
الحوثيون يعرّون القوة السعودية وحلفاء الرياض يتركونها تغرق في اليمن
تكشف تقارير غربية وآسيوية وعربية عن أزمة سعودية تتجاوز تقدم الحوثيين إلى اهتزاز الثقة بالتحالفات الخارجية، وضعف القوات اليمنية الموالية للرياض، وتداخل الحرب مع الضغوط التي تواجه الاقتصاد و«رؤية 2030»، فيما تبدو المملكة عالقة بين التصعيد العسكري والعودة إلى التفاوض.
الحوثيون يكشفون هشاشة القوة السعودية والحلفاء يتركون الرياض وحيدة
ترسم تقارير نشرتها صحف غربية وآسيوية ومنصات عربية خلال الأسابيع الأخيرة صورة نقدية لأداء السعودية في اليمن، بعد أن وجدت المملكة نفسها في مواجهة تقدم حوثي على الساحل الغربي وهجمات طالت مدنها ومنشآتها الحيوية، من دون أن تحصل على التدخل العسكري الخارجي الذي سعت إليه.
ولا تقتصر المشكلة، وفق تلك التقارير، على رفض الولايات المتحدة شن حملة جوية واسعة ضد الحوثيين، بل تمتد إلى نتائج سنوات من الإدارة السعودية للملف اليمني، وتفكك القوى المناهضة للجماعة، وضعف القيادات المحلية التي دعمتها الرياض، وتراجع استعداد الحلفاء الإقليميين والدوليين لتحمل كلفة حرب جديدة.
وقالت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إن تردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في دعم السعودية عسكرياً ضد الحوثيين أحدث توتراً داخل العلاقة بين الرياض وواشنطن، وأثار تساؤلات سعودية بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة بوصفها حليفاً أمنياً.
وبحسب الصحيفة، ضغطت الرياض للحصول على ضربات أمريكية مستدامة ضد مواقع الحوثيين، لكن ترامب فضّل تجنب التدخل المباشر، متأثراً بمخاوف تتعلق بارتفاع أسعار الوقود وإرهاق القوات الأمريكية واتساع الحرب مع إيران.
واستمرت الولايات المتحدة في تقديم المعلومات الاستخباراتية والأسلحة والدعم السياسي، إلى جانب المضي في صفقة مقاتلات «إف-35» تقدر قيمتها بنحو 24.3 مليار دولار، لكنها امتنعت عن توفير القوة الجوية المباشرة التي طلبتها السعودية لعكس المكاسب الحوثية على الأرض.
وتكشف هذه المفارقة حدود الشراكة الأمنية بين البلدين. فالولايات المتحدة مستعدة لتسليح السعودية وتعزيز دفاعاتها، لكنها لا تبدو مستعدة لخوض حرب جديدة لحماية خيارات الرياض أو إنقاذ القوات المحلية التي بنتها المملكة داخل اليمن.
ونقلت «فايننشال تايمز» عن محللين سعوديين شعوراً بالاستياء من الموقف الأمريكي، مع إقرارهم في الوقت نفسه بأن المملكة لا تزال تعتمد على واشنطن في مجالات التسليح والاستخبارات والدفاع الجوي. ويفتح هذا التناقض باباً أمام الرياض للبحث عن شركاء جدد، لكنه لا يوفر لها بديلاً سريعاً عن المظلة الأمريكية.
وكانت صحيفة «لوموند» الفرنسية أكثر مباشرة في توصيف وضع المملكة، إذ قالت إن السعودية تواجه واحدة من أخطر أزماتها العسكرية منذ عقد، بعدما تمكن الحوثيون من السيطرة على مناطق استراتيجية في الساحل الغربي وتهديد الملاحة في باب المندب، في وقت لم تحصل فيه الرياض على استجابة أمريكية لطلب التدخل.
ورأت الصحيفة أن إيران والحوثيين نجحا في تضييق الخيارات البحرية أمام السعودية، في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز وتعاظم المخاطر في البحر الأحمر، ما وضع صادرات النفط السعودية أمام ضغوط متزامنة من الشرق والغرب.
وأشارت «لوموند» إلى أن الرياض بدت مترددة في الذهاب إلى تصعيد شامل من دون دعم خارجي، بينما أظهرت تركيا وباكستان، رغم اتفاقاتهما الدفاعية مع المملكة، ميلاً إلى تجنب المشاركة في مواجهة مباشرة مع الحوثيين أو إيران.
كما تناول التقرير الانتقادات الموجهة إلى السعودية بسبب تخليها عن حلفاء يمنيين كانوا يمثلون خط الدفاع البري في الساحل الغربي، وفي مقدمتهم قوات طارق صالح، التي فقدت مواقعها خلال الهجوم الحوثي من دون أن تحصل على إسناد جوي سعودي كافٍ.
وتقدم الصحيفة الأزمة بوصفها نتيجة لتراجع الثقة بين الرياض والقوى المحلية التي اعتمدت عليها في اليمن، وليس نتيجة لتفوق الحوثيين العسكري وحده. فالمملكة أنفقت أموالاً واسعة على بناء تشكيلات وقيادات محلية، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى جبهة موحدة أو مؤسسة عسكرية قادرة على القتال من دون تدخل مباشر منها.
وفي السياق نفسه، قالت صحيفة «تايمز» البريطانية إن السعودية باتت تخوض مواجهة يتراجع حلفاؤها عن الانخراط فيها، بينما يواصل الحوثيون استهداف المدن ومنشآت الطاقة وخطوط الملاحة.
وأوضحت أن طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تدخلاً أمريكياً لم ينتج سوى دعم استخباراتي وسياسي محدود، في حين امتنعت واشنطن عن شن الضربات التي كانت الرياض تأمل أن تغير ميزان القوى.
وأشارت الصحيفة إلى أن بريطانيا أبدت استعداداً لتقديم مساعدة دفاعية محدودة، بينها التزود بالوقود جواً، لكن هذا الدعم لا يرقى إلى حملة عسكرية قادرة على استعادة المواقع التي خسرتها القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية.
وخلصت «تايمز» إلى أن القوة الجوية وحدها لن تعكس التقدم الحوثي، في ظل ضعف القوات المحلية وتعدد ولاءاتها وغياب القيادة الموحدة. كما ربطت تجدد الحرب بضغوط اقتصادية سعودية داخلية، شملت تباطؤ النشاط وتعثر مشاريع تطويرية كبرى.
أما صحيفة «الغارديان»، فركزت على الكلفة الإنسانية والعسكرية للمعارك، مشيرة إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى ونزوح أكثر من مئة ألف شخص، مع تعرض مئات الآلاف لخطر النزوح إذا استمر القتال.
وقالت الصحيفة إن الغارات السعودية لم تنجح في وقف التقدم الحوثي بصورة حاسمة، ولا سيما في المرتفعات المشرفة على الساحل وخطوط الحركة المؤدية إلى باب المندب.
وأظهرت تغطيتها أن انقسام القوى المناهضة للحوثيين وضعف القيادات التي دعمتها السعودية ساهما في تعقيد المواجهة، بينما اختارت الولايات المتحدة الاكتفاء بالتضامن السياسي وتبادل المعلومات، من دون الالتزام بحملة عسكرية مباشرة.
وفي الصحافة الآسيوية، قدمت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» واحدة من أشد القراءات انتقاداً للسعودية، ووصفت الوضع الذي تواجهه المملكة بعد رفض التدخل الأمريكي بأنه «معضلة مهينة».
وقالت الصحيفة إن الرياض بدت عاجزة عن حماية طريقها البحري البديل مع آسيا، بعدما وسع الحوثيون قدرتهم على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بالتزامن مع اضطراب الطريق البحري عبر مضيق هرمز.
وأوضحت أن موقف ترامب كشف محدودية الافتراض السعودي بأن الشراكة مع واشنطن ستتحول تلقائياً إلى تدخل عسكري عند تعرض مصالح المملكة لخطر مباشر.
وبحسب الصحيفة، باتت الرياض مطالبة إما بخوض الحرب بإمكاناتها وتحمل نتائجها، أو العودة إلى التفاوض مع الحوثيين وإيران من موقع أضعف، أو البحث عن تحالفات جديدة لا توجد ضمانات بأن تكون أكثر استعداداً للقتال.
وربطت الصحيفة الآسيوية اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان بتزايد الشكوك في قدرة المظلة الأمريكية على تلبية احتياجات الرياض الأمنية. لكنها رأت أن الاتفاق يمثل وثيقة سياسية أكثر من كونه ضمانة لتدخل عسكري فوري.
فتركيا وباكستان تملكان علاقات ومصالح مع إيران، ولا تبدوان مستعدتين لخوض حرب مفتوحة ضد الحوثيين. كما أن بكين، التي ترتبط بعلاقات اقتصادية واسعة مع السعودية وإيران، تفضل الوساطة وحماية التجارة على الانحياز العسكري إلى أحد الطرفين.
وتكشف هذه المواقف أن السعودية نجحت في توسيع شبكة علاقاتها، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى تحالف عسكري فاعل عند اندلاع الأزمة. فالاتفاقات التي بدت على الورق مؤشراً إلى تنويع الشراكات تحولت، عند الاختبار، إلى قنوات للتشاور والوساطة وتبادل المعلومات.
وامتد النقد الآسيوي إلى الجانب الاقتصادي. فقد ذكرت «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» أن السعودية تتجه إلى إعادة رسم خريطة «رؤية 2030»، وتحويل الإنفاق من المشاريع المستقبلية مرتفعة الكلفة إلى قطاعات تستطيع تحقيق نتائج أسرع وأكثر واقعية.
وقالت الصحيفة إن صندوق الاستثمارات العامة، الذي تقدر أصوله بمئات مليارات الدولارات، يراجع أولوياته بعد سنوات من الإنفاق على مشاريع ضخمة، بعضها واجه تأخيرات أو تعديلات في الحجم والجداول الزمنية.
وتتقاطع هذه القراءة مع تقرير نشرته «وول ستريت جورنال» عن اصطدام طموحات «رؤية 2030» بالواقع المالي والحرب الإقليمية. وتحدثت الصحيفة عن تأخر مشاريع كبرى وتراجع ثقة المستثمرين وإعادة النظر في الإنفاق، مع تقلص تدفقات الاستثمار الأجنبي عن المستويات المستهدفة.
ووفق التقرير، بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية خلال 2025 نحو 35.5 مليار دولار، في حين كان الهدف المعلن الوصول إلى مئة مليار دولار سنوياً. كما اضطر صندوق الاستثمارات العامة إلى تقليص بعض النفقات وإعادة توجيه موارده نحو مشاريع وقطاعات أكثر قابلية للاستمرار.
وتؤكد الأرقام الرسمية حجم الضغوط. فقد توقعت الميزانية السعودية لعام 2026 عجزاً بقيمة 165 مليار ريال، أي نحو 44 مليار دولار، مع استمرار الإنفاق على التحول الاقتصادي وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الكبرى.
ولا يعني العجز أن الاقتصاد السعودي يواجه انهياراً وشيكاً، إذ لا تزال المملكة تمتلك احتياطيات وأصولاً وقدرة على الاقتراض، لكنه يكشف أن تمويل الرؤية والحرب والتسليح والمشاريع العملاقة في وقت واحد يفرض خيارات أكثر صعوبة مما تعكسه اللغة الرسمية.
وفي الصحافة العربية، ركزت تحليلات منشورة في «العربي الجديد» على التناقض في السياسة السعودية تجاه الحوثيين، إذ تحاول الرياض تجنب حرب شاملة، لكنها تستعد لها عسكرياً وتبحث عن شركاء جدد لتعزيز الردع.
ورأت إحدى المقالات أن التحالف السعودي مع باكستان يمثل محاولة لملء فراغ عسكري وأمني في اليمن، والاستفادة من قوة لا تمتلك مشروعاً سياسياً مستقلاً داخل البلاد. غير أن التعويل على هذا التحالف يظل مرتبطاً باستعداد إسلام آباد لتحمل كلفة المواجهة مع الحوثيين وإيران، وهو أمر لم يظهر حتى الآن.
كما تناولت مواد عربية أخرى تردد الرياض بين العودة إلى هدنة 2022 والانخراط في حرب واسعة، مشيرة إلى أن الحوثيين يستخدمون التصعيد للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، بينما تحاول السعودية تحسين شروطها التفاوضية من دون الانزلاق إلى مواجهة طويلة.
وقدم مركز الجزيرة للدراسات قراءة أكثر توازناً، لكنه أقر بأن التصعيد المتبادل أنهى عملياً مرحلة خفض التوتر التي بدأت في أبريل/نيسان 2022، وأعاد اليمن إلى مركز التفاعلات الأمنية في الخليج والبحر الأحمر.
وأوضح المركز أن السعودية تقدم عملياتها بوصفها دفاعاً عن أراضيها ومنشآتها وحرية الملاحة، لكن حجم التهديد الحوثي واتساع الجبهة يضعانها أمام تحدي الانتقال من الضربات الانتقائية إلى استراتيجية سياسية وعسكرية متكاملة.
ولا تقتصر الانتقادات الدولية للسعودية على حرب اليمن والاقتصاد. فقد قالت «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها العالمي لعام 2026 إن السلطات السعودية شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في تنفيذ أحكام الإعدام خلال 2025، وسط مخاوف من غياب ضمانات المحاكمة العادلة واستخدام العقوبة ضد متهمين في قضايا سياسية.
كما نشرت منظمة العفو الدولية في مارس/آذار 2026 تحقيقاً يستند إلى شهادات عاملات منازل فلبينيات، تحدثن عن الاستغلال والقيود وسوء المعاملة، في حين دعت منظمات حقوقية منظمة العمل الدولية إلى عدم إغلاق شكوى تتعلق بحقوق العمال داخل المملكة قبل معالجة أسبابها البنيوية.
وتكشف هذه التقارير، باختلاف مصادرها وزواياها، أن صورة السعودية في الإعلام الدولي لم تعد محكومة فقط بمشاريع التحديث والانفتاح والاستثمارات الرياضية والسياحية. فقد عادت ملفات الحرب والتحالفات وحقوق الإنسان والإنفاق العام إلى الواجهة، وأصبحت الأسئلة أكثر ارتباطاً بقدرة الدولة على تحويل مواردها الكبيرة إلى نتائج سياسية وأمنية مستدامة.
وفي الملف اليمني تحديداً، تبدو المشكلة الأساسية أن السعودية لم تحسم طبيعة الهدف الذي تريد الوصول إليه. فهي لا ترغب في حرب مفتوحة مع الحوثيين، ولا تستطيع القبول بسيطرتهم على باب المندب والساحل الغربي، ولا تثق تماماً بالقوى المحلية التي تدعمها، ولا تملك ضمانة بأن حلفاءها الدوليين سيقاتلون إلى جانبها.
وبعد أكثر من عقد على بدء التدخل العسكري في اليمن، انتقلت الرياض من قيادة تحالف واسع أعلن هدف استعادة صنعاء إلى البحث عن تدخل أمريكي ومساعدة بريطانية ووساطة صينية وتطمينات تركية وباكستانية لحماية أراضيها وممراتها البحرية.
ولا يعني ذلك أن السعودية فقدت قدرتها العسكرية أو الاقتصادية، لكنها تواجه فجوة واضحة بين حجم الأدوات التي تمتلكها والنتائج التي حققتها. فقد أنفقت على التسليح والتحالفات والقوى اليمنية المحلية، لكنها لم تبنِ شريكاً برياً متماسكاً، ولم تنه التهديد الحوثي، ولم تصل إلى تسوية دائمة.
وتضع الصحافة الدولية الرياض أمام خلاصة يصعب تجاهلها: المشكلة لا تكمن فقط في قوة الحوثيين أو دعم إيران لهم، بل في الطريقة التي أدارت بها السعودية الحرب وحلفاءها وأولوياتها. وعندما تتراجع الولايات المتحدة عن التدخل، وتفضل الصين الوساطة، وتبتعد تركيا وباكستان عن القتال، تظهر حدود النفوذ الذي لا يستند إلى استراتيجية محلية مستقرة.



