تعبئة جنوبية في لحظة انهيار..
المجلس الانتقالي الجنوبي يكشف حدود معركته ويحذر من تمدد الحوثيين إلى باب المندب
قال الناطق باسم المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي إن إعلان التعبئة الشعبية يستهدف حماية حدود الجنوب ودعم القوات المرابطة في الجبهات، محذراً من أن سوء إدارة الحرب وإقصاء القوى الفاعلة مكّنا الحوثيين من التقدم في الساحل وتعز وتهديد الملاحة الدولية في باب المندب.
مركبة عسكرية عليها جنود من القوات الجنوبية خلال مواجهات مع تنظيم القاعدة - اليوم الثامن
كشف الناطق باسم المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي تفاصيل إعلان التعبئة الشعبية العامة في الجنوب، مؤكداً أن الخطوة تستهدف تعزيز الجبهات الممتدة على الحدود السابقة بين دولتي الجنوب والشمال، وليست إعلاناً عن استعداد القوات الجنوبية لخوض حرب مفتوحة داخل المناطق الشمالية نيابة عن مجلس القيادة الرئاسي المؤقت أو السعودية.
وقال التميمي، في مقابلة مع برنامج «التاسعة» على قناة «سكاي نيوز عربية»، إن اختيار الرابع عشر من أكتوبر موعداً لإطلاق الحشد الشعبي وتنظيم مليونية في عدن ومحافظات الجنوب يرتبط بالذكرى الثالثة والستين لانطلاق الثورة ضد الوجود البريطاني عام 1963، والتي انتهت باستقلال الجنوب وقيام دولة حظيت باعتراف الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.
وأوضح أن استدعاء المناسبة يحمل رسالة سياسية تتجاوز البعد الاحتفالي، مفادها أن الجنوبيين يعتبرون استعادة دولتهم حقاً مشروعاً، وأن مشاركتهم في مواجهة التهديد الحوثي لا تعني التخلي عن مشروعهم الوطني أو العودة إلى القتال تحت شعارات الوحدة التي انهارت عملياً منذ حرب عام 1994.
وجاءت المقابلة بعد اجتماع استثنائي موسع عقدته الهيئات المركزية والمحلية للمجلس الانتقالي في عدن، أعلن الاستعداد للتعبئة الشعبية العامة والدعوة إلى مليونية مركزية في الرابع عشر من أكتوبر، تحت شعار الدفاع عن الجنوب وقضيته الوطنية.
وبحسب التميمي، لا تعني التعبئة أن القوات الجنوبية كانت خارج المواجهات الدائرة، إذ تشارك وحدات منها إلى جانب المقاومة الشعبية والقبائل في التصدي للهجمات الحوثية في الضالع وكرش والصبيحة ويافع ومناطق حدودية أخرى.
وقال إن التطورات الأخيرة أثبتت أهمية مشاركة أبناء المناطق المستهدفة في الدفاع عن أراضيهم، مشيراً إلى أن دخول القبائل والمقاومة الشعبية إلى المعركة في جبهة الصبيحة أسهم في وقف الاندفاع الحوثي، بعد المكاسب التي حققتها الجماعة في الساحل الغربي ومحيط باب المندب.
ورأى أن الحوثيين يواجهون في جبهات الجنوب مقاومة تختلف عن تلك التي واجهوها في أجزاء واسعة من الشمال، لأن المقاتلين الجنوبيين ينطلقون من عقيدة مرتبطة بالدفاع عن الأرض والحدود، في حين تعاني التشكيلات التابعة لمجلس القيادة من ضعف الحافز وتعدد مراكز القرار.
وأكد التميمي أن المجلس يتحدث عن تعبئة شعبية تسند القوات المرابطة على خطوط التماس، لا عن إرسال الجنوبيين لاستعادة صنعاء أو خوض معارك بعيدة عن أرضهم من دون اتفاق سياسي يحدد أهداف الحرب ونتائجها.
وتكشف هذه النقطة حدود المشاركة الجنوبية في المواجهة الجديدة. فالمجلس الانتقالي يريد منع الحوثيين من تجاوز خطوط التماس والوصول إلى المحافظات الجنوبية، لكنه لا يبدو مستعداً لتكرار تجربة السنوات السابقة، حين دفعت القوات الجنوبية ثمناً بشرياً كبيراً في معارك امتدت إلى الساحل الغربي من دون الحصول على تسوية سياسية تعترف بحق الجنوب في تقرير مصيره.
وقال التميمي إن خطوط القتال الحالية تقترب من الحدود الدولية التي كانت قائمة قبل وحدة 22 مايو/أيار 1990، وإن ذلك يفسر انتقال المجلس إلى رفع مستوى الاستعداد الشعبي والعسكري. وأضاف أن القوات الجنوبية والمقاومة المحلية تقاتلان منذ بداية التصعيد، ولم تنتظرا صدور إعلان التعبئة للانتشار في الجبهات.
وقدم جبهة كرش والصبيحة نموذجاً على طبيعة المواجهة، مشيراً إلى أن أبناء القبائل والمقاومة الشعبية تحملوا جانباً كبيراً من القتال والخسائر، وأسهموا في وقف محاولات الحوثيين اختراق المناطق المؤدية إلى لحج وعدن.
لكن التميمي ربط التصعيد الحوثي الأخير بالقرارات التي اتُّخذت مطلع العام الجاري، عندما تعرضت القوات الجنوبية للإقصاء والاستهداف، وانسحبت الإمارات العربية المتحدة من الملف اليمني. وقال إن المكاسب التي حققها الحوثيون في الساحل الغربي وباب المندب تمثل «الحصاد المر» لسياسة أضعفت القوى التي أثبتت فاعليتها في مواجهة الجماعة والتنظيمات المتطرفة.
واتهم إدارة الحرب بإبعاد الشريك المحلي القادر على القتال على الأرض، وإحلال تشكيلات تفتقر إلى القيادة الموحدة والقدرة على الصمود مكانه. وبحسب روايته، أسفر ذلك عن انهيار مواقع استراتيجية وفتح الطريق أمام الحوثيين للوصول إلى مناطق لم يتمكنوا من السيطرة عليها طوال سنوات الحرب السابقة.
وكانت القوات الجنوبية والتشكيلات الساحلية قد أدت، بدعم إماراتي، دوراً رئيسياً في استعادة عدن والمكلا وباب المندب ومناطق واسعة من الساحل الغربي. ويرى الانتقالي أن تفكيك هذه المنظومة لم يوفر بديلاً أكثر كفاءة، بل أدى إلى فراغ عسكري استغلته الجماعة لتوسيع نفوذها.
وقال التميمي إن خطر الحوثيين لم يعد مقتصراً على اليمن أو الجنوب، بعدما أصبحت الجماعة قادرة على التأثير في أمن باب المندب وتهديد السفن وخطوط التجارة الدولية. وأضاف أن اقتراب الحوثيين من المضيق يمنح إيران منفذاً استراتيجياً بديلاً، في وقت تواجه فيه ضغوطاً متصاعدة في مضيق هرمز.
ومن هذا المنطلق، قدّم التعبئة الجنوبية بوصفها مساهمة في حماية الملاحة الدولية، وليست مجرد إجراء محلي. فاستقرار الساحل الممتد من عدن إلى باب المندب، وفق هذا التصور، يمثل جزءاً من أمن البحر الأحمر وخليج عدن، ولا يمكن فصله عن مصالح دول المنطقة والقوى التجارية الكبرى.
غير أن دعوة الانتقالي جاءت بالتزامن مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي المؤقت رشاد العليمي بدء عمليات عسكرية ضد الحوثيين، بعد تقدم الجماعة في تعز وسيطرتها على مدينة التربة وقطع أجزاء من الطريق الرابط بين تعز وعدن.
وشكك التميمي في قدرة إعلان العليمي على تغيير مسار المعارك، معتبراً أن الخطاب لم يقدم مفهوماً عسكرياً واضحاً ولا خطة عملياتية يمكن قياس نتائجها على الأرض. وقال إن دعوات سابقة للنفير لم تُحدث أثراً في الجبهات، بل تزامنت مع تقدم الحوثيين وانهيار مواقع القوات التابعة للسلطة المعترف بها دولياً.
وأشار إلى أن العليمي لا يملك نفوذاً فعلياً حتى في محافظة تعز، التي ينتمي إليها، مستدلاً بغياب أي حشد شعبي واسع استجابة لدعواته، وعدم قدرة القوات الموجودة هناك على وقف التقدم الحوثي باتجاه التربة والحجرية.
ويمثل سقوط التربة ضربة مباشرة للقوى العسكرية التابعة لحزب التجمع اليمني للإصلاح، التي ظلت صاحبة النفوذ الأوسع في جنوب تعز. وقد كشف الانسحاب من المدينة عن أزمة تتجاوز نقص السلاح والذخيرة، لتصل إلى ضعف القيادة والتنسيق وفقدان الحاضنة الشعبية اللازمة لخوض حرب طويلة.
وقال التميمي إن المشهد لا يعكس عجز المقاتلين عن المواجهة بقدر ما يكشف سوء إدارة مستمراً للمعركة، وغياب قيادة تستثمر الإمكانات العسكرية المتاحة داخل استراتيجية واضحة. واتهم بعض القيادات باستخدام الحرب وسيلة للحصول على الأموال والنفوذ، في الوقت الذي تتراجع فيه القوات وتنهار الجبهات.
وأضاف أن عشر سنوات من القتال أظهرت اتساع الفجوة بين معاناة المقاتلين والسكان في الداخل وبين أوضاع قيادات تقيم خارج البلاد وتراكم الثروات والاستثمارات، بينما تعجز مؤسسات السلطة عن دفع الرواتب أو توفير الخدمات أو بناء جيش موحد.
ورأى أن إعلان الحرب الصادر عن قيادة لا تملك السيطرة الفعلية على القوات يظل أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى قرار عسكري قادر على تغيير الميدان. فالعمليات العسكرية تحتاج إلى غرفة قيادة واحدة، وخطوط إمداد، وإسناد جوي، وأهداف سياسية معروفة، وهي عناصر لا تزال غائبة عن تحركات مجلس القيادة.
وتطرق التميمي إلى التحفظ الأمريكي على الانخراط المباشر في الحرب، بعد تقارير تحدثت عن طلب سعودي لتنفيذ ضربات جوية أمريكية ضد مواقع الحوثيين. وقال إن واشنطن تراقب أداء التشكيلات الموجودة على الأرض، ولا تبدو مستعدة لإرسال قواتها أو التورط في حملة مفتوحة خلف قوات تنهار أمام هجمات الجماعة.
وأضاف أن الولايات المتحدة والقوى الغربية تدرك تعقيدات الخريطة العسكرية، بما فيها تعدد التشكيلات وانتشار جماعات متطرفة في بعض المناطق الخاضعة للقوى المحسوبة على السلطة المعترف بها دولياً.
واتهم التميمي جماعة الإخوان المسلمين داخل المؤسسات اليمنية بالتحالف أو التعايش مع تشكيلات مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، مستشهداً بما قال إنه ظهور متزامن لهذه الجماعات خلال الحرب التي استهدفت القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة مطلع العام.
وأشار إلى تقارير أممية وأمريكية سابقة حذرت من تحول مناطق شرقي اليمن إلى بيئة لنشاط الجماعات العابرة للحدود. وبحسب تقديره، فإن استمرار هذه البنية الأمنية والسياسية يحد من استعداد واشنطن أو غيرها للدخول في حرب واسعة دعماً لمجلس القيادة.
وقال إن الولايات المتحدة لن تخوض مواجهة برية نيابة عن تشكيلات غير موحدة، ولا عن سلطة تعاني الانقسام وتفتقر إلى السيطرة الكاملة على قواتها. ومن ثم، فإن أي دعم أمريكي مرجح سيبقى في حدود المعلومات الاستخباراتية والدفاع الجوي والإسناد اللوجستي، ما لم تطرأ تغييرات جوهرية على إدارة المعركة.
ودعا التميمي إلى البحث عن صيغة دولية وإقليمية جديدة لإدارة الملف، قد تكون عبر إعادة تفعيل الرباعية التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، أو من خلال إطار آخر يضمن تمثيل القوى الفاعلة على الأرض ولا يحصر القرار في سلطة فقدت القدرة على قيادة الحرب.
وحذر من أن استمرار الإدارة الحالية سيمنح الحوثيين مزيداً من الوقت لتثبيت وجودهم في المرتفعات والجزر المطلة على باب المندب. وإذا نجحت الجماعة في تحويل مكاسبها إلى انتشار عسكري دائم، فسيصبح المضيق تحت تهديد مستمر بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة.
ولا يقتصر الخطر، وفق التميمي، على حركة السفن في البحر الأحمر، بل يمكن أن يمتد إلى خليج عدن والقرن الأفريقي، حيث تستطيع إيران توسيع شبكة حلفائها وتهديد الموانئ وخطوط الطاقة والتجارة من ضفتي الممر البحري.
تكشف المقابلة أن إعلان التعبئة الجنوبية لا يمثل استجابة مباشرة لدعوة العليمي إلى الحرب، بل محاولة لصياغة معركة مستقلة في أهدافها وحدودها. فالانتقالي يريد حماية الجنوب ومنع الحوثيين من اختراق حدوده، مع إبقاء القضية السياسية الجنوبية في قلب أي مشاركة عسكرية.
كما تكشف أن المجلس لا يمنح إدارة الحرب الحالية تفويضاً مفتوحاً لاستخدام القوات الجنوبية في الشمال. فالتجربة، من وجهة نظره، أثبتت أن الإنجازات العسكرية التي حققها الجنوبيون تحولت لاحقاً إلى أدوات لإعادة إنتاج السلطة اليمنية نفسها، من دون الاعتراف بحقوق الجنوب أو منحه شراكة سياسية متكافئة.
وفي الوقت الذي يحاول فيه العليمي تصوير المواجهة بوصفها حرباً يمنية شاملة لاستعادة الدولة، يقدم الانتقالي تصوراً مختلفاً يقوم على الدفاع عن الجنوب وحدوده، والمساهمة في تأمين باب المندب، ورفض إعادة إدماج القوات الجنوبية داخل تشكيلات تدار من الرياض ولا تمتلك مشروعاً سياسياً متفقاً عليه.
وتضع هذه المعادلة السعودية أمام مأزق جديد. فهي تحتاج إلى القوات الجنوبية لوقف الحوثيين واستعادة الساحل، لكنها لم تقدم للجنوبيين ضمانات سياسية تبرر مشاركتهم في حرب جديدة. كما أن محاولة استدعائهم عبر شعارات الوحدة واستعادة صنعاء قد تزيد الرفض الشعبي، بدلاً من بناء شراكة عسكرية قابلة للاستمرار.
ويبدو أن مليونية الرابع عشر من أكتوبر ستكون اختباراً لحجم الالتفاف الشعبي حول موقف الانتقالي، ولقدرته على تحويل إعلان التعبئة إلى تنظيم مدني وعسكري منضبط. وستكون رسالتها موجهة في أكثر من اتجاه: إلى الحوثيين بأن التقدم نحو الجنوب سيواجه مقاومة مختلفة، وإلى السعودية بأن القوات الجنوبية لن تدخل حرباً بلا مقابل سياسي، وإلى المجتمع الدولي بأن حماية باب المندب تتطلب شراكة مع القوى الموجودة فعلياً على الأرض.
وبذلك لا تعلن عدن التحاقها بحرب مجلس القيادة بقدر ما ترسم حدود حربها الخاصة: الدفاع عن أرض الجنوب، وحماية حدوده، ومنع تحويله إلى ساحة خلفية لقوى خسرت مواقعها في الشمال، مع الاستعداد للمشاركة في تأمين الممرات البحرية ضمن ترتيبات تعترف بالجنوبيين طرفاً سياسياً وشريكاً عسكرياً، لا مجرد قوة تُستدعى عند انهيار الجبهات.



