معادلة استعادة الدولة وتأمين الممرات..

جنوب اليمن يعيد رسم حدود معركته الوطنية.. حماية الحدود والشروع في إجراءات الاستقلال الثاني

حوّلت الحشود الجماهيرية الغفيرة في مليونيات الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر دعوة الرئيس عيدروس الزُبيدي للتعبئة العامة إلى برنامج عمل سياسي وعسكري متكامل. وفيما رسّم الخطاب والبيان الصادر عن المليونيات حدود المعركة في الدفاع عن أراضي الجنوب ضمن حدود ما قبل مايو 1990، شددا بوضوح على رفض زج القوات الجنوبية في صراعات خارج المشروع الوطني، مع المطالبة بتحويل الشراكة الأمنية في تأمين الممرات البحرية ومكافحة الإرهاب إلى اعتراف سياسي إقليمي ودولي بحق شعب الجنوب في استعادة دولته كاملة السيادة.

مليونيات أكتوبر تتبنى خطاب الزُبيدي وتحدد مهمة القوات الجنوبية في حماية الحدود واستعادة الدولة

عدن

ملخص تنفيذي

تكشف دعوة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزُبيدي، إلى التعبئة الشعبية العامة، والبيان الذي صدر عن مليونيات الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، عن تحول يتجاوز الاستنفار العسكري المباشر. فالخطابان يعيدان تعريف وظيفة القوة الجنوبية، وحدود انتشارها، والغاية السياسية من استخدامها، بعد سنوات كانت خلالها جزءاً رئيسياً من المعسكر الذي قاتل الحوثيين تحت عنوان استعادة «الشرعية اليمنية».

التحول الأبرز هو الانتقال من معركة مفتوحة جغرافياً وسياسياً إلى عقيدة دفاع وطني جنوبية تربط استخدام القوة بحماية حدود الجنوب السابقة لعام 1990، ومكافحة الإرهاب، وتأمين باب المندب وخليج عدن وبحر العرب. ويضيف بيان المليونيات قيداً مهماً حين يرفض الزج بالجنوبيين في حروب لا تخدم مشروعهم الوطني، ما يعني أن التعبئة ليست تفويضاً غير مشروط للقتال خارج الجنوب.

ويأتي هذا التطور في ظل تآكل معادلة التحالف العربي التي تشكلت عام 2015، ثم إعادة تركيبها بعد نقل صلاحيات الرئيس عبدربه منصور هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي عام 2022. فقد جمع المجلس ثمانية مراكز سياسية وعسكرية متباينة، لكنه لم ينتج قيادة متماسكة أو تصوراً موحداً لمستقبل الجنوب. ومع مرور الوقت، أصبحت عضوية المجلس الانتقالي في هذه البنية أقل قدرة على تلبية مطالبه، وأكثر ارتباطاً بإدارة تناقضات لم يصنعها الجنوبيون.

يمثل الإعلان السياسي والدستوري الصادران في 2 يناير/كانون الثاني 2026 المرجعية الجديدة لهذا الانتقال. فقد حدد البيان السياسي مرحلة انتقالية مدتها عامان، ودعا إلى حوار جنوبي–شمالي برعاية دولية واستفتاء على تقرير المصير، وحدد 2 يناير/كانون الثاني 2028 موعداً لبدء تنفيذ الإعلان الدستوري، مع النص على إمكان نفاذه قبل ذلك إذا رُفض الحوار أو تعرض الجنوب وقواته لاعتداء عسكري.

لكن الموعد لا ينبغي التعامل معه باعتباره إعلاناً تلقائياً ومكتملاً للاستقلال. فهو استحقاق سياسي مشروط، يحتاج إلى بنية مؤسسية وقاعدة اجتماعية واسعة، واقتصاد قادر على تمويل الدولة، ومؤسسات أمنية وقضائية موحدة، ومسار دبلوماسي يهيئ للاعتراف الإقليمي والدولي. والتحدي الحقيقي خلال العامين المقبلين ليس إعلان الدولة على الورق، بل بناء القدرة على ممارستها.

أولاً: من خطاب التعبئة إلى إعادة تعريف المشروع

جاء خطاب الزُبيدي عشية ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر في لحظة تتداخل فيها الحرب مع أزمة التمثيل السياسي، ويتراجع فيها المعنى القديم للتحالف المناهض للحوثيين. وقد أعلن التعبئة الشعبية العامة للدفاع عن الجنوب ومشروعه الوطني، ودعا الجنوبيين من المهرة إلى باب المندب، ومن سقطرى إلى ميون، إلى الانخراط في مراكز التعبئة ورفع الجاهزية.

من الناحية المباشرة، يمكن قراءة الخطاب بوصفه استجابة لتصاعد التهديدات الحوثية على جبهات الجنوب. غير أن تحديد حدود ما قبل 22 مايو/أيار 1990 إطاراً جغرافياً للتعبئة نقل الخطاب من المجال العسكري إلى المجال السيادي. لم يعد السؤال متعلقاً بعدد المقاتلين أو الجبهات التي يمكن إسنادها، بل بالحدود التي يتحرك داخلها المقاتل الجنوبي، والسلطة التي تصدر له الأوامر، والهدف السياسي الذي تخدمه تضحياته.

تعزز هذا المعنى في البيان الصادر عن مليونيات 14 أكتوبر. فقد اعتبر المشاركون خطاب الزُبيدي برنامجاً للمرحلتين الراهنة والمقبلة، وأعلنوا تأييد التعبئة وإسناد القوات الجنوبية، لكنهم شددوا في الوقت نفسه على حصر دور الجنوبيين في حماية حدودهم وخدمة مشروعهم الوطني، ورفض الزج بهم في حروب وصراعات خارج هذا الإطار.

هذه الصياغة مهمة لأنها تفصل بين مبدأ مواجهة الحوثيين وبين استمرار القتال تحت أهداف فضفاضة. فالبيان لا يتراجع عن المواجهة، لكنه يعيد ترتيب أولوياتها: حماية الجنوب أولاً، ثم مكافحة التهديدات التي تمس أمنه، ثم المشاركة في الأمن الإقليمي من موقع الشريك صاحب المصلحة، لا من موقع القوة المحلية التي تُستدعى للقتال من دون مقابل سياسي.

ويمثل الحضور الشعبي في عدن ومحافظات الجنوب عنصراً أساسياً في هذه المعادلة. فالحشد، مهما كان الخلاف حول تقدير أعداده، يمنح المجلس الانتقالي قدرة على القول إن مشروعه لا يستند إلى تشكيلات مسلحة فقط، بل إلى قاعدة اجتماعية لا تزال ترى في استقلال الجنوب مشروعاً غير منجز.

لكن الحشد الشعبي لا يتحول تلقائياً إلى شرعية دولة. فهو يوفر التفويض السياسي، بينما تحتاج الدولة إلى الإدارة والخدمات والعدالة والموارد والقدرة على تمثيل مختلف المناطق والتيارات. ومن هنا تصبح مليونيات أكتوبر نقطة بداية لمسار أكثر صعوبة، لا خاتمة له.

ثانياً: تفكك معادلة التحالف العربي

دخل الجنوب حرب عام 2015 ضمن معادلة ربطت تحرير عدن والمحافظات الجنوبية بهدف أوسع هو استعادة السلطة المعترف بها دولياً وإنهاء سيطرة الحوثيين. وقد أدت القوات الجنوبية دوراً محورياً في طرد الحوثيين من عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة، ثم في تأمين أجزاء من الساحل وباب المندب ومواجهة تنظيمي القاعدة وداعش.

لكن الأهداف التي حركت الجنوبيين لم تكن مطابقة تماماً لأهداف السلطة اليمنية أو القوى الإقليمية. بالنسبة إلى قطاعات واسعة في الجنوب، كانت الحرب دفاعاً عن الأرض وفرصة لإعادة بناء القوة التي حُرم منها الجنوب بعد حرب 1994. أما بالنسبة إلى السلطة المعترف بها دولياً، فكانت القوات الجنوبية جزءاً من معركة استعادة الدولة اليمنية الواحدة. وبين الهدفين نشأ تناقض جرى تأجيله ولم يُحل.

أعاد نقل السلطة في 7 أبريل/نيسان 2022 تشكيل هذا التناقض. فقد فوّض الرئيس عبدربه منصور هادي صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي من ثمانية أعضاء، ضم عيدروس الزُبيدي إلى جانب قادة سياسيين وعسكريين يمثلون قوى متنافسة داخل المعسكر المناهض للحوثيين. ونص إعلان نقل السلطة على إدارة الدولة سياسياً وعسكرياً وأمنياً، وتوحيد القوات، ومكافحة الإرهاب، والتفاوض للوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

كان التشكيل محاولة لاحتواء مراكز القوة داخل هيئة واحدة، لكنه حمل منذ البداية تناقضاته الخاصة. فبعض أعضائه يتمسك بوحدة اليمن، بينما يقود المجلس الانتقالي مشروع استعادة دولة الجنوب. وبعض القوى تملك قوات على الأرض، فيما تعتمد أخرى على الشرعية الرسمية أو الدعم الخارجي. كما أن توزيع الصلاحيات منح رئيس المجلس قدرة مرجحة في صناعة القرار عند تعثر التوافق، على الرغم من النص على المسؤولية الجماعية.

لهذا لم يتحول مجلس القيادة إلى قيادة موحدة بقدر ما أصبح إطاراً لإدارة تعدد القوى. وقد ساعد وجود المجلس الانتقالي داخله على منح الجنوبيين حضوراً في مركز القرار، لكنه قيّدهم في الوقت نفسه بقرارات سلطة لا تتبنى هدفهم النهائي.

ومع الوقت، تراجعت قدرة معادلة 2022 على إنتاج نتائج قابلة للدفاع عنها. لم تُحسم الحرب مع الحوثيين، ولم تتوحد المؤسسات العسكرية، ولم تتحسن الخدمات بصورة مستدامة، ولم توضع القضية الجنوبية على مسار تفاوضي محدد زمنياً. وبدلاً من أن تصبح الشراكة جسراً نحو تسوية، تحولت إلى آلية لتأجيل القضايا الرئيسية.

من هنا يمكن فهم خطاب أكتوبر باعتباره مراجعة ضمنية لمرحلة كاملة. فهو لا يعلن بالضرورة انتهاء كل أشكال الشراكة، لكنه يقول إن الجنوب لم يعد مستعداً لترك حدود معركته مفتوحة أو ربط قواته بأجندة سياسية لا تمنحه اعترافاً مقابلاً بحق تقرير المصير.

المشكلة الأعمق أن التحالف العربي فقد وحدته الوظيفية. فالتحالف الذي تأسس لوقف التوسع الحوثي أصبح يضم أطرافاً تختلف في تعريف العدو، وفي ترتيب الأولويات، وفي تصور الدولة التي ستنشأ بعد الحرب. وبعض هذه الأطراف ينظر إلى القوات الجنوبية باعتبارها أداة عسكرية فعالة، لكنه يتحفظ على المشروع السياسي الذي يمنح هذه القوة معناها واستمراريتها.

وبذلك لم يعد الخلاف حول التكتيك العسكري فقط، بل حول ملكية القرار. من يحدد الجبهة التي يقاتل فيها الجنوبيون؟ من يقرر توقيت التصعيد أو التهدئة؟ ومن يحصل على النتيجة السياسية بعد دفع الكلفة البشرية؟ هذه الأسئلة هي جوهر التحول الحالي.

ثالثاً: إعادة تعريف المعركة الوطنية الجنوبية

تضع التعبئة الجديدة معركة الجنوب على ثلاثة مستويات مترابطة: حماية الحدود، وبناء الأمن الداخلي، وتحويل القوة العسكرية إلى رافعة سياسية لمشروع الدولة.

المستوى الأول هو الدفاع الإقليمي عن الأراضي الجنوبية. ويعني ذلك الانتقال من مفهوم الجبهة المفتوحة باتجاه شمال اليمن إلى مفهوم الحدود التي ينبغي تحصينها والدفاع عنها. ويشمل هذا القوس جبهات الضالع وكرش ويافع وبيحان والصبيحة وباب المندب، إلى جانب السواحل والجزر والموانئ.

لا يعني هذا التحديد تجاهل التهديد الحوثي خارج الحدود، لأن الصواريخ والطائرات المسيّرة وخطوط الإمداد لا تتوقف عند الخرائط السياسية. لكنه يعني أن أي عمليات خارجية يجب أن تُقاس بمدى اتصالها المباشر بأمن الجنوب، لا باعتبارها التزاماً دائماً بإدارة حرب استعادة صنعاء.

المستوى الثاني هو مكافحة الإرهاب. فالقاعدة وداعش لا يمثلان تهديداً أمنياً فقط، بل خطراً على قابلية مشروع الدولة الجنوبية للحياة. وكل توسع لتنظيمات عابرة للحدود يضعف الحجة القائلة إن القوى الجنوبية قادرة على إدارة أراضيها وتأمين الممرات البحرية.

ولهذا فإن مكافحة الإرهاب يجب ألا تبقى سلسلة من الحملات الميدانية المتقطعة، بل تتحول إلى سياسة دولة تشمل الاستخبارات المحلية، وأمن السواحل، وضبط المنافذ، وتجفيف مصادر التمويل، وإعادة بناء أجهزة الشرطة والقضاء والسجون. كما تحتاج إلى شراكات دولية واضحة، لكن تحت قيادة جنوبية تملك المعلومات والقرار والمسؤولية.

أما المستوى الثالث فهو بناء العلاقة بين القوة والشرعية. فالسلاح يمكنه منع سقوط الأرض، لكنه لا ينشئ وحده سلطة مقبولة. وإذا أراد المجلس الانتقالي تحويل التفويض الشعبي إلى دولة، فعليه إخضاع القوات لهيكل قيادة قانوني ومهني، ومنع تعدد مراكز الأمر، ووضع قواعد للمساءلة والانضباط.

ويتطابق هذا التحدي مع المادة السابعة من الإعلان الدستوري، التي تحصر إنشاء القوات المسلحة والأمن بالدولة، وتحظر إنشاء تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية خارجها، وتلزم السلطة المقبلة باستراتيجية لمكافحة الإرهاب بالشراكة مع المجتمعين الإقليمي والدولي.

تكشف هذه المادة أن مشروع الدولة لا يستطيع الاكتفاء بتجميع تشكيلات متحالفة تحت عنوان سياسي واحد. المطلوب هو الانتقال من القوات المتعددة إلى مؤسسة دفاعية، ومن الولاءات المحلية إلى عقيدة وطنية، ومن الشرعية الثورية إلى الشرعية القانونية.

رابعاً: العامان القادمان وإعادة ترتيب البيت الجنوبي

إذا كان 2 يناير/كانون الثاني 2028 هو الموعد السياسي المستهدف، فإن العامين السابقين له لا ينبغي أن يتحولا إلى فترة انتظار. فالمهلة الزمنية تكتسب قيمتها مما يُنجز خلالها، لا من اقتراب التاريخ وحده.

الأولوية الأولى هي بناء توافق جنوبي أوسع. فالمجلس الانتقالي يملك ثقلاً شعبياً وعسكرياً واضحاً، لكنه يحتاج إلى توسيع قاعدة المشروع لتشمل القوى الاجتماعية والسياسية والمناطقية التي تتفق على حق تقرير المصير، وإن اختلفت معه بشأن شكل الدولة أو توزيع السلطة أو إدارة المرحلة الانتقالية.

يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في حضرموت والمهرة وشبوة وسقطرى، حيث تتداخل الهوية الجنوبية مع مطالب محلية تتعلق بالشراكة والثروة والتمثيل والإدارة. تجاهل هذه المطالب سيمنح خصوم المشروع القدرة على تصوير الاستقلال باعتباره انتقالاً من مركزية يمنية إلى مركزية جديدة في عدن.

لهذا يحتاج المسار إلى عقد سياسي داخلي يضمن توزيعاً عادلاً للموارد، وصلاحيات حقيقية للمحافظات، وتمثيلاً متوازناً في المؤسسات، وعدم احتكار القرار من أي منطقة أو جماعة. الوحدة الجنوبية المستدامة لا تُبنى على استدعاء الماضي وحده، بل على تقديم ضمانات قابلة للتطبيق للمستقبل.

الأولوية الثانية هي الإدارة الاقتصادية. فقد دعا البيان السياسي الصادر في يناير 2026 إلى انتظام تحصيل الإيرادات عبر البنك المركزي في عدن، وتحسين الخدمات وصرف الرواتب وتطبيع الحياة. وهذا يضع المجلس أمام اختبار مباشر: هل يستطيع تحويل المناطق الخاضعة لنفوذه إلى وحدة مالية وإدارية قابلة للحكم؟

لا يمكن لمشروع الاستقلال أن يتقدم بينما تستمر أزمة الكهرباء، وتتأخر الرواتب، وتتعدد منافذ الجباية، وتبقى الإيرادات العامة خارج الرقابة. فالاعتراف الخارجي لا يُبنى على الخطاب السياسي فقط؛ بل على قدرة السلطة الناشئة على إدارة الموانئ والضرائب والجمارك والنفط والغاز بشفافية.

الأولوية الثالثة هي بناء مؤسسات العدالة. تحتاج المرحلة المقبلة إلى قضاء مستقل، ونيابة عامة فاعلة، وأجهزة رقابية، وقواعد واضحة لحماية الملكية والاستثمار. وقد نص الإعلان الدستوري على حماية الملكية العامة والخاصة، ومراجعة العقود السابقة قانونياً، وعدم تحمل الالتزامات والديون تلقائياً إلا بعد تدقيق مستقل.

هذه النصوص مهمة لجذب الاستثمار، لكنها تحتاج إلى قوانين تنفيذية وإجراءات تمنع تحويل مراجعة العقود إلى أداة لتصفية الحسابات أو تغيير مراكز النفوذ. فاستقرار الدولة الجديدة سيتوقف جزئياً على قدرتها على طمأ المستثمرين وحماية الحقوق، مع استعادة الأموال والعقود التي ثبت فسادها عبر القضاء.

الأولوية الرابعة هي بناء سياسة خارجية جنوبية. والمقصود ليس فتح سفارات قبل وجود اعتراف، بل تطوير خطاب مصالح يفهمه الشركاء الدوليون: أمن الملاحة، مكافحة الإرهاب، حماية الاستثمارات، استقرار الموانئ، منع التهريب، وعدم استخدام الجنوب منصة لتهديد دول الجوار.

ويتطلب ذلك قنوات منظمة مع دول الخليج، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، والأمم المتحدة، ودول القرن الأفريقي. والرسالة الرئيسية ينبغي أن تكون أن الدولة الجنوبية ليست مشروعاً لإعادة إنتاج الحرب، بل إطاراً لإنهاء فراغ السلطة على واحد من أكثر الشواطئ حساسية في العالم.

خامساً: الإعلان الدستوري واستحقاق 2 يناير 2028

يمثل الإعلان الدستوري الصادر في يناير 2026 أكثر الوثائق الجنوبية طموحاً منذ حرب 1994، لأنه ينقل مشروع الاستقلال من الشعارات العامة إلى تصور أولي للدولة والسلطات والاقتصاد والحقوق.

ينص الإعلان على دولة مستقلة بحدود جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة وعاصمتها عدن، وعلى نظام ديمقراطي مدني يقوم على الفصل بين السلطات وسيادة القانون والتعددية، على أن يحدد الشعب طبيعة النظام السياسي عبر استفتاء بعد المرحلة الانتقالية. كما يقرر التزام الدولة بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي.

وتكشف هذه المبادئ محاولة لتقديم الاستقلال باعتباره مشروعاً دستورياً، لا مجرد انفصال تفرضه القوة. غير أن القيمة الفعلية للنص ستتحدد بقدرته على معالجة خمس مسائل: مصدر الشرعية، وتوزيع السلطات، وتمثيل المحافظات، وضمان الحقوق، وآلية الانتقال من المجلس الانتقالي بوصفه حركة سياسية إلى مؤسسات دولة لا يحتكرها حزب واحد.

كما توجد حاجة إلى توضيح العلاقة الزمنية بين البيان السياسي والإعلان الدستوري. فالبيان السياسي أعلن مرحلة انتقالية مدتها سنتان تنتهي في يناير 2028، وحدد ذلك التاريخ لبدء تنفيذ الإعلان الدستوري. لكن المادة الثالثة من الإعلان نفسه تنص على مرحلة انتقالية مدتها سنتان، قابلة للتمديد مدة مماثلة بقرار من الهيئة التشريعية الانتقالية.

هذا التداخل قد يفتح الباب أمام تفسيرين: الأول أن الفترة من 2026 إلى 2028 هي المرحلة الانتقالية المقصودة، والثاني أن المرحلة الدستورية الانتقالية تبدأ بعد نفاذ الإعلان في 2028. ولهذا يحتاج المجلس إلى إصدار خريطة قانونية واضحة تحدد مراحل التنفيذ، وتاريخ تشكيل المؤسسات، وموعد الاستفتاء، والجهة التي تملك صلاحية التمديد.

كذلك لا يمثل الإعلان الدستوري، بمفرده، اعترافاً دولياً أو عضوية في الأمم المتحدة. فهو يؤسس مطالبة سياسية وقانونية داخلية، لكن تحولها إلى دولة فاعلة يتطلب سيطرة مستقرة على الإقليم، ومؤسسات قادرة على الحكم، وقبولاً اجتماعياً واسعاً، وعلاقات خارجية تسمح بالتعامل معها.

ومن ثم، ينبغي النظر إلى 2 يناير 2028 باعتباره موعداً للمساءلة بقدر ما هو موعد للتنفيذ. ففي ذلك التاريخ سيُقاس ما إذا كان المجلس قد استطاع توحيد القوات، وتحسين الإدارة، وتوسيع الشراكة الجنوبية، وتهيئة استفتاء ذي صدقية، وبناء تأييد إقليمي ودولي.

إذا تحقق تقدم ملموس في هذه المسارات، يمكن للموعد أن يتحول إلى نقطة انتقال فعلية نحو الاستقلال الثاني. أما إذا بقيت المؤسسات ضعيفة والانقسامات قائمة والخدمات منهارة، فقد يتحول التاريخ إلى عبء سياسي يرفع التوقعات أكثر مما تسمح به القدرة على التنفيذ.

سادساً: السيناريوهات المحتملة حتى عام 2028

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية.

المسار الأول هو الانتقال المنظم. وفيه ينجح المجلس الانتقالي في بناء توافق داخلي، وتوحيد المؤسسات، وتحسين الموارد والخدمات، وفتح حوار برعاية دولية ينتهي إلى آلية معترف بها لتقرير المصير. وهذا هو المسار الأقل كلفة والأكثر قابلية لإنتاج دولة مستقرة.

المسار الثاني هو النفاذ المبكر للإعلان. وقد نص البيان السياسي على هذا الاحتمال إذا لم تستجب الأطراف للحوار أو تعرض شعب الجنوب أو أراضيه أو قواته لاعتداء عسكري. هذا السيناريو يمنح المجلس أداة ردع سياسية، لكنه يحمل مخاطر مواجهة عسكرية وعزلة دبلوماسية إذا لم يسبقه إعداد مؤسسي وتحرك خارجي واسع.

أما المسار الثالث فهو الاحتواء المؤجل، حيث تستمر القوى الإقليمية والدولية في التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفاً يُرحّل إلى ما بعد التسوية مع الحوثيين. وهذا المسار قد يكون الأكثر ترجيحاً لدى بعض الأطراف الخارجية، لكنه يصبح أقل قابلية للاستمرار كلما عزز الجنوب مؤسساته ورفض إرسال قواته إلى معارك لا ترتبط بمصالحه.

ويعتمد ترجيح أحد هذه السيناريوهات على قدرة القيادة الجنوبية على تجنب خطأين: إعلان أهداف تفوق القدرة المؤسسية، أو السماح للقوى الخارجية بتحويل المهلة الانتقالية إلى فترة جديدة من إدارة الأزمة.

خاتمة: من قوة الحرب إلى دولة السياسة

يعيد خطاب الزُبيدي وبيان مليونيات أكتوبر صياغة العقد غير المكتوب الذي حكم مشاركة الجنوب في الحرب منذ عام 2015. فقد قاتل الجنوبيون ضمن تحالف هدفه المعلن استعادة الدولة اليمنية، لكنهم يعلنون اليوم أن استخدام قوتهم يجب أن يرتبط بحماية الجنوب وإنجاز مشروعه الوطني.

هذا التحول لا يعني الانسحاب من مواجهة الحوثيين أو التخلي عن مكافحة الإرهاب. بل يعني إخضاع تلك المواجهة لتعريف جنوبي للمصلحة الوطنية: حماية الحدود، وتأمين السواحل والممرات البحرية، ومنع عودة التنظيمات المتطرفة، وعدم إرسال القوات إلى حروب لا تنتج مكاسب سياسية للجنوب.

غير أن الاستقلال الثاني لن يتحقق بالتعبئة وحدها. فالقوة التي تحمي الحدود تحتاج إلى مؤسسة تدير الداخل، والحشد الذي يمنح التفويض يحتاج إلى عقد سياسي يضمن الشراكة، والإعلان الدستوري يحتاج إلى قوانين وأجهزة وإجراءات، والموعد السياسي يحتاج إلى إنجازات يمكن قياسها.

خلال العامين المقبلين، سيكون على المجلس الانتقالي أن يثبت قدرته على الانتقال من قيادة قضية إلى إدارة مشروع دولة. ويبدأ ذلك بإعادة ترتيب البيت الجنوبي، وبناء إدارة شفافة، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وحماية الحقوق، وتطوير اقتصاد قادر على تمويل الحكم، وفتح مسار دبلوماسي يجعل استقلال الجنوب جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي.

أما العلاقة مع القوى الإقليمية والدولية، فينبغي إعادة صياغتها على أساس المصالح المتبادلة. فالجنوب يمتلك موقعاً يتحكم في باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، وقوات راكمت خبرة في مواجهة الحوثيين والإرهاب، وموانئ يمكن أن تصبح ركائز للتجارة والطاقة. لكنه يحتاج في المقابل إلى اعتراف بحقه في القرار، لا إلى شراكة تستفيد من قوته وتؤجل قضيته.

بهذا المعنى، لا يمثل 2 يناير 2028 نهاية الطريق، بل اختباراً لصدقية المرحلة التي بدأت في يناير 2026. فإذا تحولت التعبئة إلى مؤسسات، والحشد إلى عقد سياسي، والقوة إلى سلطة قانونية، يمكن للجنوب أن ينتقل من حماية أرضه إلى استعادة دولته. أما إذا ظلت الوثائق منفصلة عن الإدارة، فسيبقى الاستقلال وعداً مؤجلاً مهما اقترب موعده.

توصيات

إصدار خريطة تنفيذية للإعلانين السياسي والدستوري تحدد بدقة المراحل الزمنية، ومؤسسات الانتقال، وموعد الاستفتاء، والعلاقة بين مرحلتي ما قبل يناير 2028 وما بعده.

إطلاق حوار جنوبي شامل يضم القوى السياسية والاجتماعية والقبلية والنسائية والشبابية وممثلي المحافظات، مع تقديم ضمانات واضحة للشراكة وتوزيع الموارد والصلاحيات.

توحيد القوات الجنوبية ضمن قيادة مهنية وقانونية، وربط التعبئة الشعبية ببرامج تدريب رسمية تمنع انتشار السلاح والتشكيلات غير المنضبطة.

إنشاء مجلس للأمن القومي يتولى صياغة عقيدة دفاعية جنوبية تحدد مصادر التهديد، وحدود العمليات الخارجية، وآليات حماية باب المندب والسواحل والجزر.

إعداد استراتيجية موحدة لمكافحة الإرهاب تجمع العمل العسكري والاستخباراتي والقضائي والاقتصادي، وتمنع التنظيمات المتطرفة من استغلال الفراغ الإداري والمظالم المحلية.

توحيد الإيرادات العامة وإخضاعها لرقابة مستقلة، مع نشر تقارير دورية عن الموارد والإنفاق والديون والعقود.

تقديم برنامج عاجل للكهرباء والرواتب والمياه والصحة، لأن شرعية مشروع الدولة ستُقاس في الحياة اليومية بقدر ما تُقاس في المليونيات والخطابات.

تأسيس فريق دبلوماسي وقانوني متخصص لشرح القضية الجنوبية دولياً، وبناء ملف يستند إلى الإرادة الشعبية، والقدرة المؤسسية، وأمن الملاحة، ومبادئ تقرير المصير.

فصل مؤسسات الدولة الانتقالية عن الهيمنة الحزبية، وضمان استقلال القضاء والإعلام والمجتمع المدني، بما يمنع تحول الاستقلال إلى إعادة إنتاج لسلطة مغلقة.

فتح تفاوض واضح مع الشركاء الإقليميين حول مستقبل العلاقة، على أساس الاعتراف بالمصالح الجنوبية وحق الجنوب في إدارة قواته وأرضه وموارده.