تنمية محكومة بحدود الطبيعة..

سقطرى أمام معادلة صعبة: استثمار الموارد من دون استنزاف الجزيرة

تحذر دراسة بحثية من أن التوسع السياحي والعمراني في سقطرى، من دون بيانات محدثة عن المياه والموائل وقدرة الخدمات، قد يحول التنمية إلى ضغط دائم على السكان والبيئة. وتقترح ربط المشروعات بالطاقة الاستيعابية لكل موقع، وإشراك المجتمع المحلي في القرار وتوزيع العائدات.

اشجار دم الإخوين في جزيرة سقطرى - أرشيف

سقطرى

لا تعاني سقطرى من نقص الفرص بقدر ما تعاني من غياب الإجابة الدقيقة عن سؤال أساسي: كم تحتمل الجزيرة من المشروعات والزوار واستهلاك المياه قبل أن تبدأ مواردها بالتراجع؟

هذا السؤال يتصدر دراسة أعدتها الباحثة المقيمة لدى مؤسسة «اليوم الثامن للإعلام والدراسات» حنين العولقي، بعنوان «سقطرى بين التنمية والحماية.. كيف تُستثمر الموارد دون استنزافها؟»، أعادت فيها قراءة الدراسات الجغرافية والبيئية المتعلقة بالأرخبيل، وربطتها بما طرأ على أدوات الرصد والحماية خلال العقود الثلاثة الماضية.

وتنطلق الدراسة من أن سقطرى لا يمكن التعامل معها بوصفها مساحة واحدة قابلة لتطبيق النموذج التنموي نفسه في جميع أجزائها. فالجبال الجرانيتيّة والهضاب الجيريّة والسهول الساحلية تختلف في تكوينها ومواردها المائية وحساسية تربتها وقدرتها على استيعاب البناء والطرق والنشاط السياحي.

ويعني ذلك أن المشروع الذي يمكن أن يكون مقبولاً في موقع ما، قد يتحول إلى مصدر ضرر في موقع مجاور، خصوصاً عندما يرتبط الأمر بالسحب من المياه الجوفية أو فتح طرق جديدة أو تغيير استخدام الأراضي داخل موائل شديدة الحساسية.

أرقام المياه ليست تصريحاً مفتوحاً للاستثمار

تضع الدراسة ملف المياه في قلب النقاش، وتعود إلى بحث جغرافي قدمه قادري عبدالباقي خلال الندوة العلمية الدولية الأولى عن سقطرى في عدن عام 1996. وكان البحث قد نقل تقديراً يفيد بأن الجزيرة تستقبل نحو 630 مليون متر مكعب من مياه الأمطار، مع فقدان قرابة 70 في المئة منها بالتبخر والتسرب، لتبقى نحو 190 مليون متر مكعب من المياه السطحية.

غير أن الدراسة الجديدة تحذر من اقتطاع هذه الأرقام من سياقها وتحويلها إلى دليل على وجود فائض مائي جاهز للاستخدام. فالبحث الأصلي أشار إلى قصور محطات الرصد وغياب دراسة هيدرولوجية شاملة، كما أن التسرب لا يعني بالضرورة فقدان المياه، إذ قد يسهم جزء منه في تغذية الخزانات الجوفية.

والأهم أن كمية الأمطار التي تستقبلها الجزيرة لا تساوي مقدار المياه المتاحة فعلياً للسكان أو المشروعات. فالمورد قد يكون بعيداً أو موسمياً أو مرتفع الكلفة، وقد تحتاج إليه النظم البيئية نفسها للحفاظ على قدرتها على التجدد.

لهذا تقترح الدراسة فحص أي طلب جديد على المياه داخل الحوض المعني، وفي موسم الضغط تحديداً، وعدم منح المشروعات السياحية أو الاستثمارية حق استخدام مصدر مائي قبل قياس احتياجات السكان القائمين والتأكد من وجود قدرة إضافية حقيقية.

كما تلفت إلى مخاطر زيادة ملوحة الآبار الساحلية، وتدعو إلى تسجيل كميات السحب وقياس مناسيب المياه والملوحة بصورة دورية. فالاستجابة لأي نقص بزيادة حفر الآبار قد تعمق المشكلة، بدلاً من حلها، إذا أدت إلى تقدم المياه المالحة داخل الخزانات الجوفية.

أشجار دم الأخوين ليست منظراً سياحياً

توسع الدراسة مفهوم الموارد الطبيعية، فلا تتعامل مع أشجار دم الأخوين باعتبارها رمزاً بصرياً أو مورداً سياحياً فحسب، بل جزءاً من الدورة المائية في الجزيرة.

وتستند إلى بحث نُشر عام 2020 قدّر أن التقاط هذه الأشجار للرطوبة الأفقية القادمة من الضباب والسحب تجاوز 40 في المئة من إجمالي الهطول السنوي داخل نطاق الدراسة وشروطها.

ولا يمكن تعميم هذه النسبة على سقطرى كلها، لكنها تكشف أن تراجع الغطاء الشجري قد يؤدي إلى خسارة وظيفة بيئية مرتبطة بالرطوبة والمياه، إلى جانب خسارة النوع النباتي نفسه. وبذلك تصبح حماية الأشجار جزءاً من إدارة المياه والأرض، لا مجرد نشاط منفصل لحماية التنوع الحيوي.

وتعرض الورقة نتائج جرد باستخدام طائرات مسيّرة في غابة دم الأخوين بمنطقة فرمَهين خلال عام 2021، سُجلت فيه 35,542 شجرة حية و2,123 شجرة مقتلعة ضمن منطقة المسح. ولا تمثل هذه الأرقام تعداداً لجميع أشجار دم الأخوين في الأرخبيل، لكنها توفر أساساً يمكن مقارنته مستقبلاً لرصد التجدد والخسائر وتغير الغطاء النباتي.

وترى الدراسة أن حملات زراعة الشتلات لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الاستعادة. فالمؤشر الحقيقي ليس عدد الشتلات المزروعة يوم إطلاق الحملة، بل نسبة ما يبقى منها حياً بعد سنوات، وقدرتها على النمو والتكاثر في ظل الرعي والجفاف وتغيرات التربة.

السياحة: من يحصل على العائد؟

لا ترفض الدراسة تطوير السياحة في سقطرى، لكنها تعترض على قياس نجاحها بعدد الرحلات أو الزوار فقط. فزيادة حركة الوصول لا تعني تلقائياً تحسن حياة السكان، وقد ترفع الضغط على المياه والنظافة والطاقة والطرق من دون أن تحصل المجتمعات المحلية على نصيب عادل من الإيرادات.

وتقترح الورقة قياس ما يبقى من الدخل السياحي داخل الجزيرة، وحجم المشتريات من السوق المحلية، والأجور المدفوعة للسكان، وفرص النساء والشباب، ومقدار ما تتحمله الخدمات العامة من كلفة إضافية.

وقد يحقق مشروع سياحي دخلاً مرتفعاً لمشغليه، بينما تستخدم منشآته المياه والطرق وخدمات جمع المخلفات التي تمولها الإدارة المحلية. وفي هذه الحالة تبدو الأرباح خاصة، فيما تتحول الكلفة إلى عبء عام.

كما ترفض الدراسة فكرة وضع سقف واحد للزوار في جميع أنحاء الأرخبيل. فالقدرة الاستيعابية لشاطئ واسع تختلف عن قدرة كهف أو مسار جبلي أو موئل محدود. وتتغير هذه القدرة أيضاً بحسب الموسم وتوافر المياه وخدمات الإنقاذ وجمع النفايات.

وتوصي لذلك بوضع حدود أولية لكل موقع، ثم مراجعتها وفق النتائج الميدانية. وقد يكون تنظيم الحجوزات ومسارات الحركة ضرورياً في المواقع الأكثر تعرضاً للضغط، مع إمكانية خفض النشاط عندما تكشف المؤشرات عن ضرر لا يمكن احتواؤه.

السكان ليسوا جزءاً من الديكور

تنتقد الدراسة ميل بعض المقاربات السياحية والبيئية إلى تقديم سكان سقطرى باعتبارهم عنصراً ثانوياً داخل المشهد الطبيعي. فحماية الجزيرة لا يمكن أن تنجح بإقصاء أهلها عن القرارات أو فرض قيود على الرعي وجمع المنتجات والوصول إلى السواحل، ثم الاكتفاء بوعد عام بأن السياحة ستفيد الجميع.

وتدعو إلى إعلان المشروعات وحدودها قبل الترخيص، وإتاحة الاعتراض عليها، وتوثيق حقوق الانتفاع، وتحديد من سيستفيد ومن قد يخسر مورداً قائماً.

فإذا تطلبت حماية موقع ما تقييد نشاط تعتمد عليه أسر محددة، ينبغي تحديد البدائل أو التعويضات، بدلاً من تحميل الفئات الأضعف كلفة الحماية بينما تذهب عوائد الاستثمار إلى جهات أخرى.

وتشير الدراسة أيضاً إلى أهمية المعرفة المحلية في فهم التغيرات البيئية. فقد وثق بحث منشور عام 2021 نحو 301 تسمية مكانية في أربع مناطق من سقطرى، وربط بعض الأسماء بانتشار تاريخي محتمل لأشجار دم الأخوين. ولا تمثل الأسماء دليلاً حاسماً وحدها، لكنها يمكن أن توجه الباحثين إلى مناطق تستحق المسح والتحقق.

إطار قانوني بلا قدرة تنفيذية

تمتلك سقطرى إطاراً للحماية وتقسيماً للمناطق بحسب حساسيتها، لكن الدراسة ترى أن الخريطة القانونية لا تكفي إذا غابت الرقابة والتمويل والقدرة على التدخل.

وتستشهد بقرار لجنة التراث العالمي لعام 2026، الذي أشار إلى استمرار القيمة البيئية الاستثنائية للأرخبيل، بالتوازي مع تدهور بعض النظم البرية والبحرية تحت تأثير ضغوط التنمية والأنواع الدخيلة والتلوث وتغير المناخ والاستخدام غير المستدام.

كما تستعيد واقعة تسرب نفطي ارتبط بناقلة جانحة لوثت ساحل دليشة مطلع عام 2023، لتؤكد أن حماية السواحل تحتاج إلى خطط طوارئ ومعدات وفرق مدربة، وليس إلى نصوص قانونية فقط.

وتحذر الدراسة من تجزئة المشروعات عند تقييمها. فالإقامة السياحية والطريق المؤدي إليها ومصدر المياه ومكان التخلص من الصرف والمخلفات أجزاء من نشاط واحد. وإذا جرى فحص كل جزء منفصلاً، قد تحصل مشروعات تبدو محدودة على الموافقة، بينما ينتج مجموعها ضغطاً يتجاوز قدرة الموقع والخدمات.

ما الذي تحتاجه سقطرى الآن؟

تقترح الدراسة إنشاء قاعدة بيانات مكانية تجمع معلومات الآبار والمحطات المناخية والموائل والخدمات والمشروعات المرخصة، مع توضيح تاريخ كل معلومة وطريقة إنتاجها وحدود استخدامها.

ومن شأن ذلك منع التعامل مع تقديرات تعود إلى عقود بوصفها مساوية لقياسات ميدانية حديثة، كما يسمح بكشف المناطق التي تعاني نقصاً في البيانات قبل اتخاذ قرارات يصعب التراجع عنها.

وتدعو الورقة إلى ربط تصاريح المشروعات بقدرة مثبتة على توفير المياه، وتخصيص نسبة معلنة من الرسوم السياحية للصيانة والحماية والخدمات، ونشر الإيرادات وأوجه إنفاقها.

لكنها تحذر في الوقت نفسه من تمويل الحماية بالرسوم السياحية وحدها، لأن المواسم تتقلب، بينما تحتاج أعمال الرصد والصيانة إلى تمويل مستمر. وتقترح مزيجاً من المخصصات العامة والرسوم والمساهمات الخارجية، مع ضمان استقلال الرقابة عن المستثمرين والممولين.

وتخلص الدراسة إلى أن التنمية في سقطرى لا ينبغي أن تقاس بعدد الفنادق أو الطرق أو الرحلات، وإنما بمقدار التحسن الذي يطرأ على حياة السكان، وبقاء المياه والموائل والأشجار قادرة على خدمة الأجيال المقبلة.

فالمشكلة ليست في الاستثمار من حيث المبدأ، بل في إطلاقه قبل معرفة حدود الموارد، أو منح التراخيص قبل التأكد من قدرة الجزيرة على تحمل آثارها. وفي بيئة نادرة مثل سقطرى، قد يكون تأخير مشروع كبير حتى تكتمل بياناته أقل كلفة بكثير من محاولة إصلاح الضرر بعد وقوعه.

المصدر: دراسة «سقطرى بين التنمية والحماية.. كيف تُستثمر الموارد دون استنزافها؟»، إعداد حنين العولقي، مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات. سقطرى بين التنمية والحماية.. كيف تُستثمر الموارد دون استنزافها؟.