أحمد عمر بن فريد يكتب لـ(اليوم الثامن):

من بغى صاحبه.. يدوّر له عذر!

بعد خروج الرئيس علي سالم البيض من سلطنة عمان مطلع عام 2009،عقدنا أول لقاء جماعي له مع قيادات جنوبية في العاصمة السويسرية بيرن، وليلتها استمع الرئيس الى سيل جارف من الشكاوى والاستنتاجات والشكوك المبنية على نظرية المؤامرة تجاه بعض القيادات السياسية الجنوبية في الداخل والخارج.! كانت الصورة المرسومة في ذلك  اللقاء من مجمل الحديث "قاتمة"، "محبطة"، لا تبعث على أي بصيص أمل، ولا تمهّد طريقاً للمستقبل، وكنت أرى في وجه الرئيس علامات الحزن وإلى ما يشير إلى أنّ ذلك الحديث كان هو آخر ما يريد أن يستمع له في لقاءه الأول، خاصة وهو الذي أتى الينا بعد فترة انقطاع وغياب طويلة جدا، ولم يكن بحاجة إلاّ إلى حديث يتسق مع ذلك التفاؤل الكبير الذي كان يعم الشارع الجنوبي حينها مع ظهور الحركة الوطنية الجنوبية بعنفوان كبير أذهل سلطات الاحتلال.


وبعدما أفرغ الكل ما لديه من مثبّطات على طاولة الاجتماع، أتى الدور على الرئيس للحديث. فتوقّف لبرهة قصيرة ونظر إلينا وقال مبتسماً بلهجته الحضرمية الواضحة: في عندنا مثل حضرمي يقول "من بغى صاحبه يدور له عذر".! ابتسم الجميع وفهمنا ماذا يقصد، ثمّ أكمل حديثه بأننا في مرحله تتطلب منّا أن نرص صفوفنا ونعزز تماسكها، وأن نبحث عن الجميع ونعمل قدر المستطاع على أن يلتحق الكل بالكل في إطار ثورة الجنوب بالداخل، وإنّ من الحكمة والمصلحة أن "نبحث" للذي نعتقد أنه مخطئ أو خارج السرب الجنوبي عن "عذر" لعله يعود الينا أو لعلّ حكمنا عليه كان خاطئاً.


منذ ذلك اليوم بقي هذا المثل الرائع عالقاً في ذهني، وغالباً ما أتذكره واستشهد به في هذه المحطة السياسية أو تلك. مع اعترافي هنا بأنني لم أكن وفيّاً لجميع مضامين هذا المثل الحضرمي الملهم حتى وإن حاولتُ مراراً وتكراراً أن أكون كذلك! 


وفي الحقيقة إنّ المتمعن بعمق في معاني هذا المثل المحلي سيجد أنه يختزل فصولاً مدرسةً سياسية ًكبيرةً تقوم على منح "الآخر" الذي تختلف معه فرصةً كبيرة للقاء على أرضية مشتركة باعتباره صاحب حق وشريك حقيقي، وهو يقطع تماماً مع نهج "الاقصاء" و "الاستقواء" والتحدث بامتلاك الحقيقة المطلقة ونفيها تماماً عن الآخر .

تذكّرت هذا المثل، وأنا أرى اليوم بعد إعلان الحكومة المشتركة توجه جنوبي مخيف تجاه بعض الأخوة الجنوبيين الذين اختلفنا معهم بعمق شديد خلال المرحلة الماضية قوامه "الشماتة، "التهكم"، "السخرية"، "الازدراء" والإقصاء التام.! وفي تقديري أنّ هذا النهج والسلوك لا ينتجه عقل سليم بقدر ما هو في الأغلب نتاج "عقل موتور"، متهور وطائش.!  


علينا أن نتذكّر بهدوء أيها الأخوة أنّ الجنوب لن يكون سليماً، متعافياً إلا بجميع أبنائه، وأنّ الذين لهم جذور وحق في الجنوب سيبقى لهم هذا الحق كاملا غير منقوصاً مهما فعلوا، وأنّ "الآخر الجنوبي" حتى وإن شذ بوضوح تام وسار في طريق آخر خلاف الإجماع الوطني فلا يعني هذا أبداً أن نعتبره عضواً فاسداً يستوجب "البتر التام"، لأنّ مفهوم "البتر التام" لن يتسق مع متطلبات المرحلة ولا يُعتبر بالمطلق سلوك سياسي حكيم ولن يساعدنا على بناء نسيج وطني جنوبي قوي ومتماسك. حدث ذلك في الدين وهو رسالة الله إلى خلقه فكيف به لا يحدث في السياسة؟!