هيثم الزبيدي يكتب:

معالجة موزونة لمسألة ولاية العهد في سلطنة عمان

سجل السلطان هيثم بن طارق نقاطا سياسية لافتة وجريئة في أول عام من عهده. تمكن سلطان عمان من إثبات أنه سياسي محنك برؤية إستراتيجية وتكتيك ملموس. قراره الأخير بتعديل القانون الأساسي للسلطنة فيه الكثير من بصماته على التغيير المطلوب في الدولة.

الفقرات في القانون الأساسي الخاصة بقضية ولاية العهد أكثر من مطلوبة. البند الخاص بآليات انتقال السلطة من جيل إلى جيل عالجت مسألة مهمة كانت مصدر قلق ولايقين لدى الجميع، من الأسرة المالكة وصولا إلى العماني العادي. اللايقين في مسألة حساسة تتعلق بمن يخلف الحاكم لا يمكن الاستهانة به. الكثير يتعلق بشخص الحاكم وآلية انتقال السلطة.

كيف عالج السلطان هيثم هذه القضية الخطيرة والمهمة والإشكالية معا؟ لنأخذ بعض التدرج في اختيارات التوقيت والصياغات.

أولا، جاء التوقيت مناسبا جدا. فالسلطان هيثم لا يزال في أول سنة حكم. كل عماني يعتقد أن الحاكم الجديد يحق له أن يضع لمساته الخاصة، من دون قطيعة مع الماضي.

ثانيا، اختيار التوقيت كان موفقا. أي عماني لا تزال السنوات الخمس الأخيرة من حكم السلطان الراحل قابوس بن سعيد طرية في ذهنه بما تحمله من ذكريات وقلق. السلطان قابوس أرسى دعائم عمان الحديثة وكان حاضرا بقوة في الكثير من التفاصيل. لعل أكثر من ثلثي العمانيين لا يعرفون غيره، وكان صعبا عليهم أن يروه مريضا على المستوى الشخصي وأن يروا الدولة تسير نحو الجمود مع مرضه. ولم يكن واضحا من سيخلفه.

السلطان هيثم عالج بقراره الأخير هذه النقطة الهامة، وبنسق يتماشى مع السائد في الأنظمة الملكية وينسجم مع الإقليم. شخص ولي العهد يحدده القانون الأساسي المعدل ثم تراتبية اختيار واضحة تراعي كل الاحتمالات.

ثالثا، سياق التوقيت كان تأسيسيا. آلية انتقال السلطة كانت فيها فقرة تبدو خارج السياق. صحيح أن الانتقال كان بين أفراد الأسرة المالكة، لكن أن يكون الإعلان عنه عبر مجلس الدفاع العماني، فإنه يعطي الانطباع بأن للمجلس حضورا حاسما في أرفع قرار سياسي ومصيري في عمان.

السلطنة تتبع المذهب الإباضي الذي يرسم، ولا يقيد بالمطلق، آليات اختيار الحاكم في حالة شغور المنصب ويسنده للوصية ولاختيار أهل الحل العقد من بينهم الوريث. مجلس الدفاع العماني يصبح بهذا أمين سر الاختيار والمنفذ له، أسوة بدور الصحابي عبدالله بن عمر عندما أوكل له أبوه الخليفة عمر بن الخطاب “أمانة سر” مجلس الصحابة المصغر الذي قرر من يكون الخليفة القادم. الزمن تغير طبعا واستقرت الأنظمة الملكية في الدول الإسلامية بعيدا زمنيا وسياسيا عن تلك المرحلة الجنينية من بداية الدولة الإسلامية.

رابعا، التوافق في التوقيت كان ملموسا. المؤسسة الدينية القائمة على الإباضية كانت حاضرة بالقرار ولم تسجل أي اعتراض. الإباضية مذهب سياسي وديني. ومؤسسته تتطور مع الزمن وتدرك أن فتاوى الأوائل في اللاتوريث ولا ولاية عهد كانت فتاوى ابنة زمانها وأن لا قدسية لها طالما كانت بشرية واجتهادا. المفتي في زماننا هذا له نفس أحقية الإفتاء والتغيير التي كانت لذلك الزمان. عصرنا الراهن يحتاج الاستقرار. وحتى بالمقارنة مع مجلس الصحابة المصغر، فهم صفوة استثنائية لزمن استثنائي. هم كانوا ستة من أهل الحل والعقد في عصرهم، ولعصرنا هذا يعرّف أهل الحل والعقد بطريقة مختلفة تتناسب مع مجتمعات متوسعة وكبيرة ومتشعبة العلاقات.

***

إذا كانت النظرة الإستراتيجية للسلطان هيثم حاضرة في عمق التغيير في النظام الأساسي، وربط الأمر بمجلس عمان وانتخابه، وبالحريات وبالرقابة، فأن ثمة لمحات تكتيكية في القرار واتخاذه تنبع ليس من حصة، أو حق، السلطان الجديد في التغيير فقط، بل تزامن القرار مع التطورات الراهنة.

هناك الأزمة العالمية المرتبطة بالوباء. العالم يشهد إعادة صياغة جديدة في كل شيء. من الاقتصاد إلى السياسة إلى العلاقات الدولية. لماذا لا تكون لعمان فرصتها في تغييرات داخلية لا تنحصر فقط في القانون الأساسي؟

وهناك تراجع الواردات من النفط عند كل الدول المنتجة. وها هي الدول، ابتداء من أثراها الولايات المتحدة وروسيا والسعودية، وصولا إلى صغار منتجي النفط، تعيد رسم سياساتها على هذا الأساس. انتهى زمن الوفرة وتحتاج الدول إلى قبضة حكم شديدة الالتزام في العمل على إعادة توزيع عائدات هذا المورد المهم ضمن اختيارات راجحة من قبل سلطة قوية تشاور وتقدر وتمضي في القرار. مصائر الدول لا يمكن أن تترك بيد قلة وأن يتم التحكم بها ضمن غرف مغلقة. دائرة القرار في عمان، وفق المنهج الجديد، أوسع بكثير ممّا كانت عليه سابقا.

وثمة تراكم للشح الاقتصادي عالميا مع بداية الأزمة عام 2008. أي دولة تشهد نقص الموارد على مدى طويل ستتحسب وستحاول أن “تمط دولارها” إذا جاز التعبير، لكي يعبر بها زمنا أطول لحين العثور على انفراجة. والسلطان هيثم عاصر هذا الزمن وزيرا بارزا في الحكومة العمانية وحضر كل جلسات مجلس الوزراء واطلع على تفاصيل تدوير إمكانيات الدولة من قبل أن تأتي أزمة الواردات النفطية لتزيد من عمق الأزمة.

تكتيكيا أيضا، توفر القرارات الجديدة ذراعا تنفيذية مساعدة للسلطان هيثم في هذا الوقت المهم من تاريخ المنطقة والسلطنة. فولي العهد سيكون أقرب مساعدي السلطان ويتيح له منصبه أن يكون فاعلا في السياسات الحكومية داخليا وخارجيا. هذا النسق أصبح سائدا اليوم في الخليج تحديدا، حيث يزداد دور أولياء العهود بشكل ملموس، وسلطنة عمان تحرص أن لا تكون الاستثناء.

وسلطنة عمان جزء من إقليم يعيش أزمة. فالاستقرار غادر الخليج منذ عام 1979 يوم قامت الثورة الإيرانية، ويمكن للبعض أن يقول منذ قررت بريطانيا الانسحاب من شرق السويس أواخر الستينات. واليوم عمان قد تكون نظريا بعيدة عن التهديدات الإيرانية، لكن لا توجد ضمانات أن لا تمتد مشاكل الدول المجاورة لتمسها. لا يمكن لقائد دولة إلا أن يتحسس التأثيرات من الغرب سواء من جهة المهرة أو حرب اليمن المشتعلة، أو من الشرق حيث تشرف عمان على مضيق هرمز الذي توظفه إيران سلاحا ضد الغرب والولايات المتحدة تحديدا، وابتزازا لدول المنطقة التي يمر أغلب إنتاجها النفطي من خلاله.

***

رغم أن المراسيم السلطانية عامة ولا تذكر أسماء، إلا أن اسم السيد ذي يزن بن هيثم، ولي العهد القادم حين يصدر مرسوم تسميته ويؤدي اليمين، حاضر في الاختيار الذي يرسم تفاصيله القانون الأساسي الجديد. السنة الأولى من عهد والده سجلت تواجده بشكل ملموس في نفس الوزارة، وزارة الثقافة، التي شغلها السلطان هيثم لسنوات طويلة بالإضافة إلى ملف الرياضة والشباب. ولنا، من أهل لندن العرب وممن يتابعون نشاط الجالية والسفارات شهادة إضافية. فالفترة التي قضاها السيد ذي يزن في المكتب السلطاني في سفارة عمان في لندن، كانت مهمة وحافلة وستضيف لتجربته. ثمة إجماع لدى كل من شهد عمله بأنه شاب مثابر وهادئ ومتواضع، وهي صفات محمودة لدى أمراء الأسر المالكة، لأنها تفتح البوابات أمامهم للتعامل مع الناس كما يحبهم الناس أن يكونوا في وضعهم العادي، وأن يتقبلوا منهم القرارات والصرامة حين يأتي وقتها.

ملامح انتهاء الجمود بدأت قبل إصدار القرارات الأخيرة. فتوزيع المهام على وزراء لوزارات كانت حصرا بيد السلطان، وتغيير الوزراء لمنح الإدارة الحكومية -بفرعها الدبلوماسي أيضا- روحا جديدة، سيعززان من ديناميكية العهد. واليوم بالقانون الأساسي الجديد، ستتوسع دائرة القرار وتتعزز إمكانياته التنفيذية بتواجد يبدأ من ولي العهد بصلاحياته التنفيذية الإضافية، وصولا إلى أصغر مفصل في سلطنة عمان. لحظة فاصلة في تاريخ عمان الحديث، تجمع بين استمرارية وتجديد وجرأة معا.