علي قاسم يكتب:

إن كان ثمن الصحوة أن نجوع قليلا ونعطش قليلا، فليكن

تونس

لا أعلم بالتحديد لماذا عشت على قناعة أن الحديث بضمير الأنا في الصحافة أمر مستهجن. سامح الله من كان السبب في ذلك. على مدى أربعين عاما وأكثر حاولت أن أتجنب هذا الضمير، كجندي يتجنب أرضا مزروعة بالألغام.

اليوم أريد أن أتخلى عن قناعتي، وأزرع الأرض ألغاما.

أنتم اليوم مذعورون، أخافكم شح في الماء ونقص في الطاقة، وأزمة غذاء تطل في الأفق.

عناوين وكالات الأنباء والصحف ومواقعكم الإلكترونية التي تتحدث عن ظواهر طبيعية تجتاح دولكم وكأنما يوم القيامة أصبح على بعد أيام، تؤكد ذلك.

ونحن، أنا أتحدث عن نفسي أيضا، نبدي التعاطف معكم وننقل أخباركم. فعلت هذا أكثر من مرة، متحدثا عن هولندا، “أرض المياه” التي تعاني شحا في المياه. وعن ألمانيا بلد الأربعين ألف بحيرة، التي تفكر في تقنين استعمال الماء.

وأكثر من ذلك تحدثت عن كاليفورنيا ومدينة لوس أنجلس ونجوم هوليوود، وأبديت الأسى والتعاطف معهم لأن حكومة الولاية قررت وضع قيود صارمة على استهلاكهم من الماء. أثرياء هوليوود ونجومها قد يضطرون بسبب تلك القيود الصارمة إلى إفراغ أحواض السباحة التابعة لقصورهم، ويراقبون الجفاف يزحف على حدائقهم وقد أسقط في أيديهم.

بالأمس، وفي اللحظة الأخيرة، تراجعت عن نشر خبر يقول: مياه باردة وممرات مظلمة في انتظار سكان برلين الشتاء القادم.

الدافع ليس الحقد، فلم أكن يوما كارها للغرب، ولم أميز بين شمال وجنوب وشرق. يفترض أننا جميعا عباد الله. سواء كنا صالحين أم طالحين.

الخبز الذي تسبب التزاحم عليه في الأيام الأخيرة بلبنان بصدامات وشجار، ونقلت صوره وسائل الإعلام باعتباره حدثا غريبا، كان أمرا عاديا في طفولة أمضيت فيها وقتا لشراء الخبز أكثر من الوقت الذي أمضيته على مقاعد الدراسة

ما قرأته وتابعته من أخبار حول الجفاف ونقص الطاقة وأزمة الغذاء، كان له فعل السحر في تنشيط ذاكرتي واسترجاع شريط طويل من الأحداث. دعوني أقص بعضا منها عليكم.

سأبدأ من منتصف سبعينات القرن الماضي. كنت حينها طالبا رمت به الأقدار في كلية الفنون الجميلة جامعة دمشق، وفي الوقت نفسه يتلقى دروسا في فنون الطهي في مدرسة فندقية كانت في عامها الأول من التأسيس. وكان وجودي فيها لعبة أخرى من ألعاب القدر، وأول احتكاك لي مع أوروبيين، حيث ضم طاقم التدريس سويسريين وإيطاليين وفرنسيين.

ويبدو أن رائحة العرق التي تفوح من أجسادنا في فصل الصيف الحار (تتجاوز الحرارة أحيانا 45 درجة مئوية) أساءت لمدرّسة سويسرية تلقي لنا محاضرات حول النظافة وفن الإتيكيت. لم تتمالك نفسها، وهي المقيمة في أرقى فندق بدمشق حينها (الميريديان)، سألتنا ببراءة ذكرتني ببراءة ملكة فرنسا ماري أنطوانيت: كم مرة تستحمون في اليوم؟

لم ينبر من بين الطلاب من يجيب على هذا السؤال. تظاهر كل منا أن الأمر لا يعنيه. كان حريّ بها أن تسأل كم مرة نستحم في الأسبوع. أو لنكن صادقين في الشهر. لم تنتظر الجواب، ونصحتنا، بنفس البراءة، أن نستحم ثلاث مرات في اليوم. بعض الأشقياء من الطلاب حمدوا الله أنها لم تنصح بالاستحمام خمس مرات يوميا.

تصوروا هذا.. ثلاث مرات في اليوم، في مدينة تعيش حينها على انقطاع الماء والكهرباء معظم ساعات النهار. ومعظم أيام الأسبوع. وكان غالبيتنا يضطر إلى نقل ماء الشرب من مسافة بعيدة. أما ماء الاستحمام وغسيل الملابس، فكان ترفا ننتظره أياما وليالي.

كانت سوريا في ذلك الزمن تعاني من نقص في المياه والطاقة. بالطبع أقصد الطاقة الكهربائية، الغاز لم يكن متوفرا أصلا، وهو غير متوفر حتى كتابة هذه السطور، والحصول على عبوة (قارورة) منه يتطلب علاقات على مستوى عال.

بردى، النهر الذي تغنى به شاعر المهجر السوري جورج صيدح، قائلا “حلمت أني قريب منك يا بردى، أبل قلبي كما بل الهشيم ندى”، والنهر الذي طالما روى بساتين دمشق المعروفة باسم الغوطة، أصبح في سبعينات القرن الماضي شبه جاف، ترفده مياه الصرف الصحي، وترتع على جوانبه الجرذان، لا وجود للياسمين ولا للورد الجوري على أطرافه، حتى قطط الشام المدللة كانت تخشاه، علمت في ما بعد أن قرارا اتخذ لتغطية الجزء الذي يخترق وسط المدينة منه، حتى لا نكون فضيحة أمام زوار دمشق الغرباء.

أصدقائي الألمان، والفرنسيس، والإنجليز، والأميركان؛ لا أعلم إن كنتم محظوظين، أم هو سوء الحظ أنكم لم تعيشوا طفولة كالتي عشتها (أنا) وعاشها معي 90 في المئة من سكان سوريا وما جاورها من بلدان.

دعوني أقص عليكم بعضا من أحداثها:

عشت طفولة لم أكن مضطرا خلالها إلى الاقتصاد في استهلاك الماء، أو الطاقة، أو الغذاء. لسبب بسيط جدا، كنت أعتقد أن شح الماء وعدم وجود الغاز وانقطاع الكهرباء، وتناول طبق الفول المدمس أمر طبيعي وسنة من سنن الحياة.

اليوم تتحدثون عن اقتصاد في الطاقة، دعوني أشرح لكم كيف اقتصدنا (نحن) في الطاقة على مدى ستة عقود، لعل في ذلك ما ينفعكم في محنتكم ويزيل مخاوفكم.

لم يكن في منزلنا أي وسائل سواء لتبريد الهواء أو للتدفئة، حفاظا على البيئة – بالطبع هذه مجرد مزحة – لم يكن بيننا أصلا من يكترث بالبيئة.

ولم يكن لدينا براد لحفظ الطعام؛ لماذا نحتاج إلى براد ولم يكن لدينا فائض من الطعام نحتفظ به.

ولم يكن لدينا فرن لطهي الطعام. عندما يحتاج الأمر كنا نذهب بالطعام إلى فرن الحي.

وكنا نستعين معظم أيام العام بضوء الشموع. بالتأكيد لا علاقة للأمر بالرومانسية. ولم يكن التلفزيون حينها اختراعا معروفا بعد.

هذا عن المياه والطاقة. وكما ترون، الحل في غاية البساطة.

عشت طفولة لم أكن مضطرا خلالها إلى الاقتصاد في استهلاك الماء، أو الطاقة، أو الغذاء. لسبب بسيط جدا، كنت أعتقد أن شح الماء وعدم وجود الغاز وانقطاع الكهرباء، وتناول طبق الفول المدمس أمر طبيعي وسنة من سنن الحياة

أما عن الغذاء فحدث ولا حرج. كانت العائلات السورية خبيرة بالأكل النباتي، قبل أن يكتشف الغرب فوائده، وقبل أن تعرض محلات السوبرماركت عندكم التبولة والحمص والمتبل والفول المدمس بزمن طويل. واكتشفنا فوائد الزيت والزيتون والمكدوس قبلكم أيضا. كنا نأكل الخضار والأعشاب البرية التي تنبت مجانا، مثل الخبيزة والقطيفة والبقلة والجرجير. ليس لهذا علاقة بالوعي الصحي. المطبخ السوري (استخدم كلمة مطبخ تجاوزا) استمد شهرته من عشرات من الأطباق القائمة على نباتات يعجز عن حصرها كتاب من ألف صفحة وصفحة.

أما اللحم، الأحمر والأبيض، فكانت إطلالته على الموائد مقتصرة على المناسبات الهامة والأعياد. لم نكن نعلم حينها أن هذا سيحمينا من الكولسترول. كلمة كولسترول لم تكن بعد شائعة كما هو الحال الآن عندكم.

الخبز الذي تسبب التزاحم عليه في الأيام الأخيرة بلبنان بصدامات وشجار، ونقلت صوره وسائل الإعلام باعتباره حدثا غريبا، كان أمرا عاديا في طفولة أمضيت فيها وقتا لشراء الخبز أكثر من الوقت الذي أمضيته على مقاعد الدراسة.

رغم ذلك كنا سعداء، ولم تكن الأمراض ما يقتلنا، بل الرصاص الذي تصدرونه لنا.

تاريخ سوريا، لا أتحدث فقط عن التاريخ القديم، بل التاريخ الذي عشته، هو تاريخ حروب ومؤامرات. في الغالب كنتم أنتم وراءها. تحت كل حجر في سوريا ولبنان ومصر وفلسطين والعراق والسودان واليمن وليبيا.. ستجدون أثرا يدل عليكم.

اقتصادياتنا أضعف من أن تترك أثرا، سلبيا كان أم إيجابيا، على الظواهر المناخية. ما نستهلكه من غذاء وماء وطاقة لا يشكل سوى جزء بسيط مما تهدرونه أنتم ويكون مصيره أكوام القمامة.

النفط والغاز أنتم من اكتشفهما وقام باستخراجهما، وأنتم من يستهلكهما. المصانع التي أقمناها في بلداننا أنتم من أقامها إشباعا لنزعتكم الاستهلاكية. ثم بعد ذلك حولتم دولنا إلى مكب لنفاياتكم، تستخدمون السيارة سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات ثم تبيعوها لنا. وترتدون الملابس مرة أو مرتين، لينتهي مصيرها في دولنا.

وبعد كل ذلك خرجنا من المولد بالجفاف والتصحر والحروب الأهلية، ومسنا الضّر قبل أن يمسكم.

(أنا) لست حاقدا عليكم، ولست متشفيا. لكن، عسى أن يكون الدمار الذي تسببتم به حتى هذه اللحظة فرصة لتصحيح الخطأ، ولتتحملوا مسؤولية إنقاذ الكوكب الذي نتشارك الحياة على سطحه. أقول هذا وأنا أعلم أن بينكم من يبحث عن كوكب بديل يرحل إليه قبل أن تحل الكارثة.

لا أريد للقارة العجوز أن تفقد خضرتها، ولا أريد أن يحدث ذلك للأميركيتين.

عشت في الغرب فترة تكفي لأدرك أن في أوروبا أناسا طيبين يمقتون الحروب ويدافعون عن البيئة ويعشقون التبولة والمتبل والحمص والفول المدمس.

أصدقائي، آمل أن أصحو يوما لأجد أن كل هذه الاختراعات التي تصفونها بالعظيمة، لم تكن سوى حلم طويل مزعج.

وإن كان ثمن الصحوة أن نجوع قليلا ونعطش قليلا، فليكن.