محمد أبوالفضل يكتب:

عن أسطورة مصر بلد لن ينهار

القاهرة

تواجه مصر مجموعة متنوعة من المشاكل القاسية التي لا تنكرها الحكومة وتسعى لإيجاد حلول ناجعة لها، لكن مناقشتها ينقصها القدر الكافي من الشفافية الذي يكشف طبيعتها بوضوح وآليات التعامل معها، ويحدد مسؤوليات الأشخاص المنخرطين في البحث عن حلول، والذين يجب أن يحاسبوا إذا أخطأوا في تقديراتهم ولا يذهبون للراحة في منازلهم ثم يطلون على الناس بوجوه جديدة.

ينبع هذا التوجه من شيوع رؤيتين حول مصر إحداهما متفائلة والأخرى متشائمة، فلم يعد المواطن العادي أو المختص يحدد من خلالهما البوصلة الصحيحة، فالكثير من الطائفتين لا يعرف حقيقة الأوضاع وما يمكن أن تصل إليه لاحقا، والتي لا تتعلق بأزمة اقتصادية يشعر الجميع بملامحها من دون العثور على إجابة وماذا بعد؟

باتت شؤون السياسة والأمن والإعلام والثقافة وغيرها لا تختلف عن الاقتصاد وأمراضه، فلا أحد يعرف بالضبط ماذا يحدث وإلى أن تسير الأمور، فقد جربت الحكومة الكثير من الحلول ومع ذلك لم تتوقف المشكلات المزمنة.

وعلى الرغم من الجهود الهائلة التي يبذلها رئيس الدولة لإحداث طفرة تنموية في مجالات متعددة، فإنه لا تزال هناك أزمة مّا في تحقيق مستوى مقبول من الرضاء الشعبي، قد يرجع ذلك إلى النقص الواضح في تدفق المعلومات حول ما يدور في دولاب دولة كبيرة تشعر قيادتها بالثقة في أنها لن تنهار أبدا.

لو أن هذه الثقة تأتي من اليقين في جدوى ما تتبناه الحكومة من تصورات وما تقوم به من مشروعات لهان الأمر وأصبح يدعو إلى الفخر الذي يوفر المزيد من الدعم لتمضي في طريقها، غير أن الثقة تخرج من رحم ما يشبه اليقين في أن أحدا في الخارج لن يسمح بانهيار مصر التي يقطن فيها أكثر من مائة مليون نسمة، ويعيش فيها نحو تسعة ملايين لاجئ ومهاجر ووافد يمثلون قنبلة موقوتة لأوروبا إذا حدث مكروه لمصر.

تحمل التحولات في منظومة التفاعلات الجارية في المنطقة رياحا لا تصب في صالح الدولة المصرية وثقلها الإقليمي التاريخي

بدأت هذه الزاوية وما تحمله من صورة ذهنية غامضة تصبح محل اهتمام العديد من وسائل الإعلام في الخارج، ولم يُلتفت لها جيدا في مصر، ومن أمعنوا فيها تعاملوا معها كمؤامرة أو تمهيد لشيء ما سوف تتعرض له مصر الفترة المقبلة، ويدعو للقلق.

بصرف النظر عن تقييم تعامل من صبوا غضبهم على التشكيك في فرضية الانهيار أو من يرحبون دوما بالآلية التي يتعامل بها النظام الحاكم مع المشكلات، ففي الحالتين ثمة حلقات مقطوعة في المسافة بين الغاضبين والمرحبين مسكونة بالهواجس حول فكرة أن مصر بلد كبير لا يمكن أن ينهار، بل لن يسمح الآخرون بانهياره، وهو ما يعطل العمل اللازم لمعالجة قضايا عديدة من جذورها قد تكون آخرها السياسة.

ما يجري في الإقليم من تغيرات ليست مصر ببعيدة عنه، ويفرض على حكومتها مناقشة المشاكل بقدر مرتفع من الشفافية ووضع جميع النقاط أعلى الحروف وأسفلها بلا مواربة أو التباس، لأن المسكنات لن تجدي، والعلاج بالصدمات يحمل تكلفة باهظة، والحديث عن الفقر الحالي والرفاهية المتوقعة ليس لهما مكانة في وجدان المصريين.

ذهب زمن الوقود الرخيص القادم من الخارج والقمح المستورد بطريقة شبه مجانية وينتفي الدعم لجميع السلع الأساسية، وإذا لم تحدث تنمية حقيقية سوف يصبح الأمر تراكما لمشكلات ضاغطة بدأت بعض الدوائر الغربية تحذر من مخاطرها وامتد التحذير إلى أصوات قريبة من النظام المصري، والصحافي عمادالدين أديب لن يكون آخرها، ما يفرض التعامل بجدية مع أسطورة رفض الانهيار أو السقوط.

مرت مصر بفترة غاية في الحساسية كانت معرضة لهذا المصير عقب الثورة الشعبية في يونيو 2013 عندما راحت جماعة الإخوان تستدعي أذرعها المسلحة ضد الدولة، وكادت تجرها إلى مستنقع غامض واجهته مصر وأجهزتها الصلبة ولعبت مؤسستاها العسكرية والأمنية دورا مهما، وأسهم دعم المواطنين لقيادتهم السياسية في تفويت الفرصة على مخطط جاهز للانهيار، ودفع خوف بعض القوى الإقليمية من امتداد الشرر إليها إلى تقديم دعم غير محدود للقاهرة في ذلك الحين.

تشير الطريقة التي تنظر بها بعض القوى الإقليمية والدولية إلى المشاكل المصرية حاليا إلى تغير مّا في طريقة التعاطي معها، فلم يعد شبح الانهيار مخيفا للحد الذي يجبرها على تقديم مساعدات سخية كما حدث في السابق، ناهيك عن الهدم الحاصل في ملف الجدوى الإستراتيجية لعملية المصالح المتبادلة.

لن يحك جلد مصر سوى سواعد مصر، فمؤسسات الدولة لم تعد تحتمل التجريب أو تطبيق تصورات وانتظار اختبارها في مشروعات معينة

العدو الذي كانت تواجهه الدولة متمثلا في جماعة الإخوان وذيولها ضعف أو تلاشى أو توارى في الوقت الراهن، وجزء من المشاكل التي تواجهها الدولة المصرية يعود إلى أخطاء في الحسابات العامة، وخلل في السياسات التي يتم تطبيقها، وعدم وضوح جوانب كثيرة في الأهداف المطلوب الوصول إليها.

تتحمل الحكومة والجهات التي تضع السياسات والرؤى جانبا مهمّا من المسؤولية عن المشكلات، فالتحديات ليست قدرا مكتوبا على مصر أو خطرا هيكليا قادما من الخارج أو من جهة مّا في الداخل، يدفع بعض الدول الصديقة لمساعدتها في التصدي له.

تحمل التحولات في منظومة التفاعلات الجارية في المنطقة رياحا لا تصب في صالح الدولة المصرية وثقلها الإقليمي التاريخي، وسواء تخلت عنه القاهرة بإرادتها أو دونها فهي مطالبة أن تدرك حجم ما ينطوي عليه هذا التطور من ملامح لن تصب في صالحها، للدرجة التي قد تجعل مُسلّمة أن انهيارها خط أحمر لم تعد كذلك، وربما يتحول هذا الخط إلى اللون أخضر ويمكن المرور من خلاله لاستهدافها.

يفرض هذا التقدير المتشائم المزيد من اليقظة في التعامل مع المشكلات، والتي تبدو عملية الشفافية أقلها، فمن دون أن تتواءم الحلول مع الواقع وتحدياته سوف تتحول التوجهات النبيلة إلى كوارث ممتدة، وتفرض التفكير في السؤال الحرج الذي يتردد الكثيرون في طرحه، وهو ماذا يمكن أن تخسر المنطقة من انهيار مصر؟

ربما تكون الإجابة الآن غير مرضية وصادمة للكثيرين ممّن يرون أن مصر رمانة الميزان في المنطقة ولن يُسمح لها أن تواجه هذا المصير، لأن من كانوا يتشبثون بذلك تميل بعض سياساتهم الآن في غير صالح الدولة المصرية، وكل محاولات التوازن لإخفاء هذه المسألة تفضحها طريقة خشنة يتم التعامل بها مع الأزمة الاقتصادية في مصر.

لن يحك جلد مصر سوى سواعد مصر، فمؤسسات الدولة لم تعد تحتمل التجريب أو تطبيق تصورات وانتظار اختبارها في مشروعات معينة، فالدراسات المتقنة التي تتناسب مع ظروف البلاد هي الوحيدة القادرة على إنقاذها، لأن فكرة الخوف من الانهيار تلقى مقاومة وفي سبيلها إلى الزوال تدريجيا.