حسين المحرمي يكتب لـ(اليوم الثامن):

استهداف حوثي لميناء الضبّة أم تكتيك أمريكي جديد ضد السعودية؟!

عدن

لم يمضِ على انتهاء الهدنة الأممية الأخيرة سوى أسابيع قليلة، لتكون محافظة حضرموت على "موعد" مع هجوم إرهابي حوثي بطيران مسير استهدف ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا، بالتزامن مع قدوم باخرة يونانية خاصة بنقل وتصدير شحنات النفط الخام.

الاستهداف الحوثي لميناء الضبة النفطي، الذي يرقى إلى أن يُعد جريمة حرب ضد الإنسانية، يأتي بعد أيام قليلة من تهديد المليشيات باستهداف المنشئات والشركات النفطية والأجنبية في الجنوب، في سابقةٍ خطيرة تهدّد عمل الشركات النفطية، وتقيّد حركة خطوط الملاحة في البحر العربي، وتقوّض فرص السلام.

إعلان الحوثي تبني هجوم ميناء الضبة عقب عملية الاستهداف بقليل، يعيد إلى الأذهان سلسلة هجمات منشآت أرامكو السعودية، وظهور المتحدث الرسمي للمليشيات مباشرة بتبني الهجمات، بالرغم أن جميع المؤشرات آنذاك تقول عكس ذلك، في إشارة إلى إمكانية تكرار الاستهداف والخسائر الهائلة وبنفس الطريقة.

عودة الحوثيين إلى استهداف المنشئات النفطية في الوقت الراهن، تأتي نتيجة تراخي المجتمع الدولي إزاء التصعيد المستمر من قِبل المليشيات، ورفض فرص السلام، وعدم إعادة النظر في تصنيفها كمنظمة إرهابية، برغم المطالبة المستمرة من قِبل الحكومة ودول الجوار، والتي كان آخرها مطالبة مندوبي الرياض وأبوظبي في الأمم المتحدة، المجتمع الدولي مطلع الأسبوع الماضي.

ظهور متحدث الحوثيين وإعلانه تبني الاستهداف الغاشم للمنشأة النفطية بحضرموت، بطريقة مشمئزة، غير عابهٕ ولا جماعته بالعقوبات الدولية، أو ردع المجتمع الدولي، أو توقيف حركة خطوط الملاحة، وتدفق المساعدات الإنسانية، أو تفاقم الأزمة الاقتصادية الراهنة؛ يجدّد التأكيد للعالم أجمع بأن هذه المليشيات لا تؤمن إلا بلغة الحرب، ولا تعيش إلا على الخراب، وأن تأخر الحسم العسكري لا يزيدها إلا تعنتاً، ولا يزيد مواطني المناطق الخاضعة لسيطرتها إلا جحيما ودمارا.

إلغاء الخارجية الأمريكية تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية بحجة تدفق المساعدات سابقا، وعدم تجاوبها مع مطالب إدراج المليشيات إلى قائمة الإرهاب في الوقت الراهن، وخاصة بعد أن قدّمت جميع الأطراف العديد من التنازلات من أجل الوصول إلى طاولة السلام، يحمل في طياته العديد من الرسائل والتساؤلات التي تعود إلى إمكانية وجود توتر في العلاقات بين الرياض وواشنطن، ورغبة الأخيرة في اتخاذ تكتيك جديد مع الأولى.

هجوم ميناء ضبّة لن يكون الأخير، كما لم يكن أول اعتداء إرهابي تشنه المليشيات الحوثية على المنشئات النفطية في الجنوب عقب انتهاء الهدنة الأممية الأخيرة، حيث استهدفت قبل ذلك ميناء النشيمة بمحافظة شبوة بأكثر من هجوم، يوجب على التحالف العربي والمجتمع الدولي وضع الحلول العاجلة، للجم وردع المليشيات قبل انتقال تلك الاستهدافات إلى دول الجوار.

من ناحية أخرى حقّقت القوات المسلحة الجنوبية إنجازات كبيرة خلال الشهرين الماضيين في مكافحة الإرهاب وإخماد التمرد في محافظتي أبين وشبوة، وهي إنجازات نوعيّة تُضاف إلى سجلها الحافل بالتصدي للجماعات المتطرفة والخارجة عن القانون.

ففي محافظة شبوة، سطّر أبطال القوات الجنوبية ممثلةً بقوات دفاع شبوة وألوية العمالقة الجنوبية، ملاحم بطولية ودروساً خالدة في الفداء والتضحية في سبيل الوطن وفرض هيبة الدولة، في عملية عسكرية أُطلق عليها اسم "سهام الجنوب"، وذلك عقب التمرد الإخواني على قرارات مجلس القيادة الرئاسي والسلطة المحلية بالمحافظة، منتصف سبتمبر المنصرم.

من أبرز الصعوبات التي واجهت القوات المسلحة الجنوبية أثناء عملية سهام الجنوب بشبوة، خطورة تنقلات تعزيزاتها العسكرية من العاصمة عدن، وخصوصاً وأنها تمر من الشريط الساحلي بمحافظة أبين، وذلك بسبب تواجد التنظيمات الإرهابية التي استقبلت التعزيزات والآليات الجنوبية بالعبوات الناسفة، والكمائن المتكررة.

وفي نهاية الشهر ذاته، أطلقت القوات الجنوبية عملية "سهام الشرق"، لتطهير محافظة أبين من التنظيمات الإرهابية، وتأمين خاصرة الجنوب، بالإضافة إلى تأمين الطريق الدولي الساحلي وخصوصا عند تنقلات القوات المسلحة بين محافظات الجنوب، وضمان عدم التقطع لها أو نصب الكمائن لوحداتها.

تضحيات جسيمة قدمتها القوات المسلحة الجنوبية خلال عمليتي سهام الجنوب والشرق، ارتقى على إثرها عشرات الشهداء، وجُرِح العشرات أيضاً، بالإضافة إلى الخسائر الكبيرة في العتاد، وذلك في سبيل مكافحة الإرهاب، واجتثاث منابعه.

لم يمضِ على إعلان نجاح المرحلة الرابعة من سهام الشرق إلا أيام قلائل، لنسمع من جديد عودة التفجيرات الإرهابية ومحاولات الاغتيال والتسلل للجماعات المتطرفة في محافظتي أبين وشبوة، كان آخرها محاولة اغتيال مدير أمن محافظة شبوة الأسبق العميد عوض ذيبان واستشهاد نجله، وكذا محاولة تسلل لعناصر إرهابية من وادي عومران بمديرية المحفد.

عودة نشاط التنظيمات الإرهابية إلى محافظة أبين وشبوة، جاءت عقب توقُّف عملية سهام الجنوب عند تطهير نحو ثُلثين أو ثلاثة أرباع شبوة، ومثلها في أبين في عملية سهام الشرق، وذلك بسبب ضغوطات سياسية وأخرى دولية تحت يافطة تداعيات المرحلة، والتوافق السياسي.

في الوقت الذي يرى أبناء المحافظتين، وكذا المتابع للشأن، أن توقف عمليتي سهام الجنوب والشرق عند هذه المراحل، وعدم استكمال تطهير كافة مديريات المحافظتين وتمشيط مناطقهما وربطهما ببعض أمنيا بغرفة عمليات مشتركة، أمرٌ لا يقل خطورة عن بقاء تلك التنظيمات المتطرفة والخارجة عن القانون وتواجدها في أماكنها السابقة، بل على العكس تماماً، قد تكون خطوة قرّبت القيادات العسكرية والأمنية الجنوبية بشكل أو بآخر إلى شراك التنظيمات الإرهابية.

تواجد مليشيات الإخوان المتمردة والعناصر المتطرفة حالياً في مديرية جردان شمالي شبوة وكذا مرخة الحدودية مع محافظة أبين والبيضاء اليمنية، بالإضافة إلى لجوء العديد من عناصرها إلى الجبال والوديان شمال المحفد، أتاح لتلك الجماعات الفرصة في تنظيم أوراقها، وترتيب صفوفها، وتضميد جراحها، والتفكير في تعويض ولو جزء بسيط من خسائرها، من خلال التفجيرات الإرهابية والعمليات الجبانة التي شهدتها محافظتا شبوة وأبين مؤخراً.

على التحالف العربي، وكذا مجلس القيادة الرئاسي أن يسارع في إطلاق المراحل الأخيرة من عمليتي سهام الجنوب والشرق، لتشمل كافة مناطق محافظتي شبوة وأبين وتطهيرهما من الإرهاب، وتفويت الفرصة على التنظيمات المتطرفة لترتيب أوراقها واستقدام تعزيزاتها من محافظتي مأرب والبيضاء اليمنيتين، وكذا الحفاظ على الإنجازات العسكرية التي تحققت خلال المراحل السابقة للعمليتين؛ كون ذلك ضرورة ملحّة لتحقيق الأهداف المرجوّة.