حسن محمودي يكتب لـ(اليوم الثامن):
بين خطاب المرشد وتظاهرات الخارج.. هل يدخل النظام الإيراني مرحلة تفكك؟
في أعقاب كلمة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بتاريخ 3 سبتمبر 2025 التي شدّدت على أهمية الوحدة الوطنية وضرورة عدم السماح بأي اختلاف قد يمس «الاتحاد المقدس» للدولة، اشتعل الصراع داخل دوائر الحكم الإيرانية. إذ حذّر المرشد في خطابه من أن «هذا الاتحاد المقدس… يجب ألا يتعرض للخدش» مشيرًا إلى أن «البلاد موحدة وهذا الاتحاد ضد مصلحتهم» في إشارة إلى خصوم النظام و«عملاء أمريكا والصهيونية» الذين «يحاولون إثارة الخلاف داخل البلاد». لقد جسّدت عبارة الوحدة هذه التوجه الرسمي الجديد، حيث تحوّل خطاب «وحدة الكلمة» إلى ذريعة لاعتبار أي نقد أجنبيًا أو خيانة، بما ينذر بضيق جديد على هامش التعبير.
بعد خطاب خامنئي الداعي إلى «الاتحاد المقدس»، سارعت الأطراف المتشددة داخل النظام إلى تفسيره كأذنٍ خضراء لقمع المعارضين. وفي هذا السياق، ألقى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف خطابًا حادًّا أكّد فيه أن «أهم عامل هزيمة العدو في الحرب الـ12 يومًا هو تماسك الوطن ووحدة الكلمة». وحذّر قاليباف من أن «كل صوت يضر بهذا التماسك… يخالف الواجب الوطني وتوصيات القائد»، مشيرًا بوضوح إلى المعارضين الداخلين من جانب التيارات المحافظة الذين يتحدثون عن عدم كفاءة الرئيس الإصلاحي، وإلى الإصلاحيين الذين أصدروا بيانات صحية يُزعم أنها تضعف «وحدة الكلمة». وختم قاليباف بالقول إن كلا الفريقين «يلعب في أرض العدو»، في تبرير مسبق لأي إجراء ضدهم. هكذا انتقل حديث الوحدة إلى مستوى التهديد، حيث بات من يخرج على «الاتفاق المعنوي» المتوقع بين مكونات السلطة عرضة للاتهام بالعمل لصالح العدو.
هذا المناخ أحياه أيضًا رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، الذي وجّه قبل أيام تهديدات مباشرة للتيار الإصلاحي. فقد أعلن إيجئي أن من أصدروا ما وصفه بـ«هذا الفعل البشع» يجب أن «يقرّوا بخطئهم ويتراجعوا عنه» وإلا «سيواجهون الملاحقة القضائية». وأضاف بأن «نيابة طهران ستقوم بواجبها بموجب القانون»، وأن إجراءات قضائية جارية ضدّ كتاب البيان الإصلاحي.
وتشير التقارير إلى أن هذه الملاحقات تشمل استدعاء مراقبين وصحافيين اعتبرهم النظام مهتمين بإثارة القضايا الحساسة، بزعم أنهم سببوا «ارتباكًا للأمن النفسي للمجتمع». في مواجهة ذلك، رفض الإصلاحيون التهمة الموجهة إليهم. فقالت القيادية الإصلاحية عذرا منصوري إن بيانها «ليس موالاة للعدو، بل صوت بلا صوت قلق من وضع البلد»، واعتبرت أن سعي القضاء لمحاكمة «آراء ونقد وحلول مطروحة» هو دليل على «أزمة استماع» داخل النظام.
هذه التطورات توضح كيف أن الأجهزة الأمنية والقضائية تحوّلت إلى أدوات لإسكات المنتقدين، بذريعة الحفاظ على «الوحدة الوطنية». وهو ما يشي بتضييق هامش الحريات أكثر من أي وقت مضى، حيث لم يعد يُقبل تباين في الأفكار بين النخبة الحاكمة أو حتى بين وزراء وطالبين إصلاحات.
لاقت دعوة الوحدة الرسمية ترحيبًا واسعًا في صحافة المحافظين، بينما حذّر إعلام آخر من مخاطر قمع الأصوات. ففي مواجهة خطابات الوحدة الصاخبة، نشرت صحيفة هممیهن الإصلاحية افتتاحية نُـُقدت فيها سياسات الحكومة معتقدةً أن «مشكلة البلاد ليست تعددية الأصوات، بل غياب سياسة رسمية واضحة وشفافة».
وأكدت الافتتاحية أن «الوحدة الحقيقية لا تتحقق إلا حين تكون السياسة المعلنة علنية وقابلة للفهم، لا نتيجة قرارات تتخذ خلف الأبواب المغلقة»، في اشارة إلى أن الاستبداد بالرأي قد يولد تذمُّرًا عميقًا. على النقيض، شدد الإعلام المتشدد، مثل صحيفة كيهان المملوكة للمرشد، على أن خطاب خامنئي جاء ليفشّل «المرحلة الثانية من عملية العدو بعد هزيمته في حرب الـ12 يومًا»، مصوّرًا أي انتقاد للسياسات على أنه «إفيحة للعدو». واعتبر كاتب في كيهان أن التأكيد على «الاتحاد المقدس» مع دعم الرئيس الحالي منع الانقسامات الداخلية وأوقف إحياء خط التفاوض المذلّ مع أميركا.
وتوزعت المواقف بين من يهلّل بعودة وحدة القوى، ومن يرى أن الخطاب يُستخدم ذريعة لقمع وفتح جبهة جديدة ضد الخصوم. ورأى بعض مراقبي الإعلام أن الاستدعاءات القضائية لصحافيين انتقدوا سياسات الحكومة تقوض دعوات الوحدة، خاصة أن هممیهن حذرت من أن «الموقع الراهن يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى التعاطف والوحدة»، مستغربةً توقيت محاكمة «الوجوه السياسية والإعلامية» بزعم إرباك الأوضاع.
في هذه الأثناء، صعدت المعارضة الإيرانية المنفيّة من تحركاتها كرد على سياسة القمع الداخلي. فبحسب تقرير لجمعية الحريات في إيران (منظّمة مرتبطة بتيار معارض)، نظّم إيرانيون مؤيدون لمنظمة مجاهدي خلق في بروكسل تجمعًا تحضيريًا نهاية أغسطس طالبوا فيه الجميع بالمشاركة في احتجاج «إيران حرة» المقرر في 6 سبتمبر 2025.
وأعرب المتظاهرون عن رفضهم لتصاعد استخدام السلطات الإيرانية لعقوبة الإعدام ضدّ المعارضين والقمع المتزايد للنشطاء السياسيين.
كما أيدوا ما يُعرف بـ«الخيار الثالث» الذي طرحته مريم رجوي (رئيسة المجلس الوطني للمقاومة) من أجل «تغيير ديمقراطي تقوده القوى الشعبية المقاومة»، مؤكدين رفضهم التدخل العسكري الأجنبي أو سياسة الاستسلام.
في هذا السياق، تحاول المعارضة في الخارج توظيف حالة الاحتقان الداخلي لتعزيز دعوات الوحدة بين قوى التغيير، معتبرةً أن الضغوط الداخلية تفتح نافذة على المطالبة بإسقاط النظام عبر انتفاضة شعبية وتعبئة خارجية متزامنة.
تأتي هذه الاحتدامات في وقت تعاني فيه إيران من ضغوط مضاعفة: فبعد حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل وتصاعد التوتر الإقليمي، يواجه الاقتصاد أزمة خانقة بسبب العقوبات الدولية وعجز متزايد. وقد كشفت تقارير اقتصادية أن إيران قد تشهد عودة للعقوبات الأممية عبر تفعيل آلية «الزناد»، وهو ما ينذر بتفاقم التضخّم وتراجع حاد في قيمة العملة. في ظل هذا الضغطين الأمني والاقتصادي، باتت القيادة الإيرانية تحسّ بالتهديد من أي خلاف داخلي. ولعلّ ما يُسمّى «حرب الذئاب» – وهو توصيف صحافي اعتمدته المعارضة لوصف الصراع العنيف بين أجنحة النظام – يعكس هشاشة الوضع. فالتعبئة ضد الإصلاحيين ومحاولة إلزام المجتمع بكلمة واحدة قد تعيد فتح الباب أمام غضب الشعب، خصوصًا وأن عدداً من المساجين السياسيين يواجه حكمًا بالإعدام.
بناء على ذلك، يتوقف مستقبل النظام على قدرة قادته على امتصاص الصدع الداخلي واستيعاب الغضب الشعبي. وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى حلقات الصراع المتزايدة (من الخطابات التهديدية إلى التحركات المعارضة) تضيء على مدى هشاشة «الإجماع» الذي يحاول النظام فرضه. ويحذر المتابعون من أن خروج هذه المعادلة عن السيطرة، سواء عبر احتجاجات الداخل التي تتعالى أصواتها، أو عبر ضغط المعارضة في الخارج، قد يُدخل إيران في مرحلةٍ أكثر تطرفًا وتصعيدًا داخليًّا وخارجيًّا.