د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

كيف حوّل إرهاب الدولة الإيرانية مظاهرة 6 سبتمبر إلى ضرورة تاريخية؟

هناك لحظات تكشف فيها الحقيقة نفسها بقوة لا يمكن إنكارها، لحظات تتحول فيها الأرقام المجردة إلى شهادة دامغة على جريمة مستمرة. إن التقرير المروع الذي أصدرته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ليس مجرد بيان صحفي، بل هو لائحة اتهام دولية رسمية. إنه التشخيص الطبي الدقيق لسرطان الفاشية الدينية الذي ينهش جسد إيران: "نمط منهجي لاستخدام عقوبة الإعدام كأداة للترهيب تمارسها الدولة". عندما تتحدث أعلى هيئة حقوقية في العالم بهذه اللغة، فإنها لا تصف مجرد انتهاكات، بل تعلن أننا أمام آلة قتل دولة منظمة. هذا الإعلان الرسمي الصادر من جنيف لا يمكن أن يظل بلا جواب. والجواب لن يأتِي من بيانات الإدانة الخجولة، بل سيأتي من حناجر عشرات الآلاف في قلب أوروبا. إن مظاهرة السادس من سبتمبر في بروكسل هي الرد العملي والشعبي على هذه الجريمة؛ إنها اللحظة التي تتحول فيها إدانة جنيف إلى انتفاضة سياسية في بروكسل.

تشريح آلة الموت: ما وراء أرقام الأمم المتحدة

لكي ندرك حجم الكارثة، يجب أن نتوقف عند الأرقام التي قدمتها الأمم المتحدة. 841 عملية إعدام موثقة في ثمانية أشهر فقط. هذا يعني إعدام أكثر من مئة شخص شهرياً، أي ما يعادل ثلاثة إلى أربعة أشخاص كل يوم. وهذا الرقم، كما تحذر المفوضية، هو الحد الأدنى، فالشفافية معدومة في سجون النظام. لكن القصة لا تنتهي عند العدد، بل تبدأ من هوية الضحايا. إن التركيز المتعمد على الأقليات العرقية من الأكراد والعرب والبلوش، والمهاجرين الأفغان، ليس عشوائياً، بل هو جزء من استراتيجية "فرّق تسد" التي يتبعها النظام لإثارة النعرات ومنع تشكل جبهة وطنية موحدة ضده.

والأمر الأكثر ترويعاً هو استخدام الإعدامات العلنية، حيث يُجبر الأطفال على مشاهدة الشنق في الساحات العامة. هذه ليست مجرد عقوبة، بل هي طقوس وحشية تهدف إلى قتل روح المقاومة في المجتمع وتطبيع الموت والعنف. وعندما تقترن هذه الوحشية بمحاكمات تفتقر إلى أدنى معايير العدالة، وتستند إلى تهم فضفاضة مثل "التمرد المسلح" ضد نشطاء سلميين، فإننا ندرك أننا لسنا أمام نظام قضائي، بل أمام فرقة إعدام ترتدي عباءة القانون. إن مصير الناشطة الشجاعة شريفة محمدي والـ 11 شخصاً الآخرين الذين يواجهون الإعدام الوشيك، بمن فيهم ستة متهمين بالانتماء لمنظمة مجاهدي خلق، هو الدليل القاطع على أن هذه الآلة لن تتوقف ما لم يوقفها أحد.

لماذا الآن؟ الرعب من البديل المنظم

السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا هذا التصعيد الجنوني في الإعدامات الآن؟ الجواب يكمن في ما يخشاه النظام أكثر من أي شيء آخر: البديل المنظم. إن النظام لا يخشى مجرد السخط الشعبي العفوي، بل يرتعب من تحول هذا السخط إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الإطاحة به. ولهذا السبب، فإن أغلب ضحايا القمع هم أولئك الذين ينتمون إلى حركات المقاومة، وعلى رأسها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. إن إعدام هؤلاء النشطاء ليس مجرد انتقام، بل هو محاولة يائسة لقطع رأس المقاومة وتخويف أي شخص يفكر في الانضمام إليها. لكن هذه الاستراتيجية تأتي بنتائج عكسية، فكل شهيد يسقط يصبح رمزاً يلهم جيلاً جديداً من المقاومين.

بروكسل 6 سبتمبر: حيث يلتقي الألم بالأمل

في هذا السياق المأساوي، تكتسب مظاهرة السادس من سبتمبر في بروكسل أهميتها القصوى. إنها ليست مجرد مسيرة للاحتجاج، بل هي تجسيد حي للأمل في مواجهة آلة الموت. إنها منصة لإيصال صوت الضحايا، مثل شريفة محمدي، إلى العالم. وهي أيضاً إعلان بأن سياسة الترهيب قد فشلت. فكل مشارك في هذه المظاهرة يرسل رسالة واضحة إلى خامنئي: نحن لا نخاف.

 

والأهم من ذلك، أن هذه المظاهرة تقدم للعالم ما هو أبعد من مجرد الرفض. إنها تقدم البديل. ففي مواجهة ثقافة الموت التي يروج لها النظام، يرفع المشاركون في بروكسل راية *خطة السيدة مريم رجوي ذات العشر نقاط*، وهي خطة تقوم على ثقافة الحياة. إن البند الأول في هذه الخطة هو إلغاء عقوبة الإعدام، وهو النقيض المباشر لما يمثله نظام الملالي. إنها رؤية لإيران ديمقراطية، علمانية، تحترم حقوق الإنسان، وتعيش في سلام مع نفسها ومع العالم.

 

إن الرسالة التي ستنطلق من بروكسل ستكون ثلاثية الأبعاد: رسالة إلى الشعب الإيراني بأنكم لستم وحدكم، ورسالة إلى نظام الملالي بأن جرائمكم لن تمر دون عقاب، ورسالة إلى المجتمع الدولي، وخاصة إلى فولكر تورك ومفوضيته، بأن مجرد الدعوة إلى وقف الإعدامات لم يعد كافياً. لقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات ملموسة، والاعتراف بحق الشعب الإيراني في مقاومة هذا الطغيان، ودعم البديل الديمقراطي الذي سيضمن أن لا تتكرر هذه المآسي أبداً.

د. سامي خاطر/ أكاديمي وأستاذ جامعي