بدر محمد العلوي يكتب لـ(اليوم الثامن):

بين تثبيت الهدف وتذويبه.. معنى الحوار في مشروع الاستقلال

في القضايا الوطنية الكبرى لا تكون الألفاظ مجرد زخرفة بل تتحول إلى مؤشرات على طبيعة المشروع السياسي واتجاهه. أحيانًا يكشف ترتيب الكلمات وحده عن جوهر الموقف، ويعرّي المسافة بين خطاب يُحافظ على الحقوق وخطاب يُعيد تعريفها تحت ضغط اللحظة. من هنا تبدو المفاضلة بين عبارتين متقاربتين في الشكل، متعارضتين في المعنى: “الحوار من أجل الاستقلال” و“الاستقلال من أجل الحوار”. فاللغة هنا ليست محايدة، بل تتحول إلى حقل صراع بين من يجعل الهدف ثابتًا لا يُمس، وبين من يقبل بتسييله وتحويله إلى مادة تفاوض.

حين يكون الحوار من أجل الاستقلال فإننا أمام منطق سياسي واضح يقوم على أن الاستقلال حق أصيل ومطلب جامع لا خلاف عليه بين القوى التي تتبناه. في هذا السياق لا يتناول الحوار جوهر القضية ولا ينازع على مشروعيتها، بل يتمحور حول إدارة الاختلاف داخل المعسكر الوطني الواحد: اختلاف الوسائل، ترتيب الأولويات، شكل المسار التفاوضي، ومدى الحاجة إلى توازن محسوب بين أدوات النضال السياسية والشعبية. وبقدر ما يسمح هذا الحوار بتفكيك التباينات فإنه يمنع انزلاقها إلى صدام داخلي، ويؤسس لمسار تراكمي يضمن أن لا يتحول الاستقلال ـ إن تحقق ـ إلى لحظة انفجار جديدة بفعل غياب التوافقات المسبقة.

الأهم أن الحوار في هذا الإطار لا يُستخدم لإعادة تعريف الاستقلال أو تعليقه، بل لحمايته وتأمين شروطه. لذلك يتسع لمناقشة قضايا الدولة القادمة قبل ولادتها: شكل النظام السياسي، طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، مبادئ التمثيل العادل وفق المعايير الديمغرافية والجغرافية، وتوزيع السلطة والثروة باعتباره شرطًا للاستقرار لا منّة من طرف على آخر. كما يفتح باب النقاش حول ضمانات عدم إعادة إنتاج مظالم الماضي في قالب جديد، وهو ما يجعل الحوار أداة تأسيس وبناء لا أداة مساومة.

في المقابل، عندما يُطرح الاستقلال من أجل الحوار، فإن المشهد يتغير جذريًا لأن الحوار لا يعود نقاشًا حول الطريق بل يصبح نقاشًا حول الهدف ذاته. هنا تدخل القوى المؤمنة بالاستقلال، وهي غالبًا القوى التي تمتلك قاعدة شعبية وشرعية نضالية، في مسارات حوارية مع أطراف لا تشترك معها في جوهر المشروع، بل تطرح بدائل تناقضه أو تلتف عليه: وحدة بصيغ مجددة، أقاليم، فيدراليات، أو حلول رمادية تُقدَّم على أنها “توافقية” لكنها عمليًا تُبقي الاستقلال خارج المعادلة أو تؤجله إلى أجل غير معلوم.

تكمن خطورة هذا المسار في أنه ينقل الاستقلال من كونه حقًا غير قابل للمساومة إلى مجرد خيار بين خيارات، ومن كونه سقفًا سياسيًا إلى بندٍ قابل للتفاوض والتجزئة. وبذلك يصبح الحوار غاية بحد ذاته، بينما يتحول الاستقلال إلى أداة لتمرير تسويات لا تعكس الإرادة الشعبية، ولا تحمل ضمانات تحقق الهدف الذي دفع الناس ثمنه. عند هذه النقطة لا يصبح النقاش خلافًا طبيعيًا داخل البيت الوطني، بل انزياحًا في تعريف القضية؛ فالناس لم تدفع تضحياتها لتبديل الهدف، بل لتثبيته.

الخطر لا يكمن في الحوار كفعل سياسي، فالحوار في ذاته قيمة مطلوبة لتخفيف الاحتقان وتنظيم التنافس، لكنه يفقد شرعيته حين يتحول إلى منصة لتفريغ الحقوق من مضمونها. لأن القضية الوطنية لا تُدار بمنطق “المقايضة” بين أصل الحق ومجرد الاعتراف الشكلي به. وإذا كان الحوار يهدف إلى جمع المختلفين حول حل، فإن أي حل يساوي بين مشروع الاستقلال وبين مشاريع نقيضة له، إنما يخلق توازنًا زائفًا على حساب الحقيقة السياسية وعلى حساب التفويض الشعبي. والأسوأ أنه يربك الوعي الجمعي ويعيد تشكيله وفق حسابات نخبوية، ويمنح القوى الرافضة للاستقلال فرصة للتقدم داخل معادلة لم يدفع ثمنها أحد سواهم.

الفرق بين العبارتين إذن ليس لغويًا بل سياسي بامتياز. في العبارة الأولى يبقى الاستقلال خطًا أحمر والحوار وسيلة لحماية هذا الخط وتطوير أدوات الوصول إليه. وفي العبارة الثانية يصبح الحوار هدفًا أعلى من القضية، ويصبح الاستقلال قابلًا للتأجيل أو الاستبدال أو التخفيف، وهو ما يفتح الباب أمام تسويات لا تملك قيمة أخلاقية ولا سياسية لأنها تقوم على تقليص جوهر الحق لا تثبيته. الأولى تنسجم مع منطق التضحيات ومع فكرة أن القضايا التي صيغت بالدم لا تُباع في المزادات السياسية، أما الثانية فتُدخل تلك التضحيات في دائرة التجريب السياسي، وتمنح خصوم المشروع فرصة إعادة تدوير الماضي تحت عنوان جديد.

إن الإقرار بالحوار كضرورة لا يعني إلغاء الحدود التي تمنحه معناه. فالحوار الذي لا سقف له يتحول إلى أداة استنزاف وإعادة تشكيل للرأي العام، والحوار الذي لا يحترم الإرادة الشعبية يفقد شرعيته مهما بدا “مدنيًا” أو “مرنًا”. المطلوب إذن هو حوار يقود إلى الاستقلال ويخدمه، لا حوار يُدار على حسابه. فحين تُختزل القضايا الكبرى إلى مجرد طاولات تفاوض غير متوازنة، يصبح الحق التاريخي مجرد ورقة ضمن لعبة المصالح، وتتحول الإرادة العامة إلى تفصيل قابل للتهميش.

وعليه، يمكن القول إن الفاصل الحاسم بين المسارين هو سؤال واحد: هل يُستخدم الحوار لتثبيت الهدف أم لتذويب الهدف؟ فإذا كان الحوار طريقًا إلى الاستقلال فهو ممارسة سياسية ضرورية ومشروعة، أما إذا كان الاستقلال يُستَخدم كوسيلة لإدامة الحوار بلا ضمانات وبلا سقف، فذلك ليس حوارًا بل انحرافٌ ناعم يُعيد إنتاج الأزمة تحت أسماء جديدة. وبقدر ما تبدو الكلمات متشابهة، فإن أثرها على مستقبل القضية مختلف تمامًا: الأول يبني، والثاني يساوم.