عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):
كسر احتكار القوة في إيران: صعود "جيش التحرير" وتآكل قبضة الملاليط"
يشير إعلان محمد محدثين، مسؤول لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، عن تشكيل "جيش تحرير وطني" سري داخل إيران، إلى انتقال الصراع مع نظام الملالي من طور الاحتجاجات المتفرقة إلى مرحلة التنظيم شبه العسكري. هذا التطور، الذي طُرح في مؤتمر بروكسل، لا يمكن قراءته كتصعيد إعلامي، بل كإشارة إلى إعادة تشكيل ميزان القوة داخل الدولة الإيرانية، حيث لم يعد احتكار العنف حكراً على النظام وأجهزته، وعلى رأسها الحرس الثوري.
اختراق المنظومة الأمنية: دلالة الهجوم على مركز السلطة
تكتسب العملية التي نُفذت قبل أيام من اندلاع الحرب، حين شنّ 250 مقاتلاً هجوماً على مجمّع تابع للولي الفقيه في طهران، أهمية استثنائية. فالمسألة لا تتعلق بحجم العملية بقدر ما تعكسه من اختراق عميق للبنية الأمنية الأكثر تحصيناً في البلاد. هذا النوع من العمليات يشير إلى أن النظام، رغم اعتماده على منظومة قمع كثيفة، يواجه تآكلاً في قدرته على الضبط والسيطرة، وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري حول صلابة الدولة الأمنية الإيرانية في مواجهة تهديد داخلي منظم.
وحدات المقاومة: من شبكات احتجاج إلى نواة عسكرية
منذ نحو عقد، عملت وحدات المقاومة المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق على بناء حضور تدريجي في مختلف المحافظات الإيرانية. الجديد في الطرح الحالي هو توصيف هذه الشبكات بأنها تتحول إلى نواة "جيش تحرير وطني". هذا التحول يحمل دلالتين استراتيجيتين: الأولى، أن المعارضة لم تعد تعتمد فقط على الزخم الشعبي، بل على بنية تنظيمية قادرة على الاستمرارية؛ والثانية، أن الصراع يتجه نحو نمط هجيني يجمع بين العمل السياسي والعمل الميداني، ما يزيد من كلفة المواجهة بالنسبة للنظام.
نفي الاعتماد الخارجي: إعادة تعريف الشرعية
في خطاب محدثين، يبرز تأكيد لافت: "لا نطلب أموالاً ولا أسلحة ولا قوات أجنبية". هذا الموقف يسعى إلى تفكيك السردية الرسمية للنظام التي تصوّر المعارضة كأداة خارجية، ويعيد تأطيرها كفاعل داخلي يستمد شرعيته من حق الشعب في المقاومة. هذه النقطة بالذات تمثل محاولة لإعادة تعريف معادلة الشرعية، بحيث يصبح الصراع ليس بين دولة ومعارضة، بل بين نظام فاقد للشرعية وقوة مجتمعية تسعى لاستعادتها.
المطلب السياسي: من المقاومة إلى الاعتراف الدولي
لا يقتصر الإعلان على البعد العسكري، بل يتضمن حزمة مطالب سياسية واضحة: الاعتراف بالحكومة المؤقتة التي يطرحها المجلس الوطني للمقاومة، وإغلاق سفارات النظام، والاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاطه. هذه المطالب تعكس استراتيجية مزدوجة تقوم على التصعيد الداخلي المتزامن مع الضغط الخارجي. فالرهان هنا ليس فقط على إضعاف النظام من الداخل، بل على تجريده من شرعيته الدولية، ما يسرّع من عملية عزله.
نظام الملالي: من احتكار القوة إلى القلق الوجودي
يواجه النظام الإيراني اليوم تحدياً مركباً: من جهة، تآكل داخلي في الشرعية نتيجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؛ ومن جهة أخرى، ظهور بنية مقاومة أكثر تنظيماً تتحدى احتكاره للعنف. هذا الوضع يضع النظام في حالة قلق وجودي، حيث لم يعد قادراً على الاعتماد فقط على أدوات القمع التقليدية، في ظل احتمال تحوّل الاحتجاجات إلى مواجهات أكثر تنظيماً واتساعاً.
الخاتمة: نحو مرحلة جديدة من الصراع المفتوح
إن إعلان تشكيل "جيش تحرير وطني" لا يعني بالضرورة حسم الصراع على المدى القريب، لكنه يشير بوضوح إلى دخول الأزمة الإيرانية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً وحدّة. فمع تراجع فاعلية سياسات الاحتواء الدولية، واستحالة الرهان على التدخل العسكري، يبرز سيناريو ثالث يقوم على التغيير الداخلي المنظّم. في هذا السياق، يصبح السؤال المركزي ليس ما إذا كان النظام سيواجه تحدياً وجودياً، بل مدى قدرته على الصمود أمام تحوّل المعارضة إلى قوة منظمة تمتلك مشروعاً سياسياً وأدوات ميدانية في آن واحد.


