ماركو روبيو يكتب:
وجهُ أمريكا في الخارج
في كل عام، يلبّي مئات الأمريكيين نداء تمثيل بلادهم على الساحة العالمية بوصفهم موظفين في السلك الدبلوماسي الأمريكي. وبذلك، يصبحون في آنٍ واحد ورثةً ومشاركين في واحد من أغنى وأعرق التقاليد في تاريخ فن الحكم البشري والعمل الدبلوماسي الإنساني.
إن موظفي السلك الدبلوماسي الأمريكي هم وجهُ الولايات المتحدة في الخارج. إذ يتم تعيينهم للعمل في السفارات والقنصليات المنتشرة حول العالم، حيث يتولون إدارة العلاقات مع الدول الأجنبية، والتفاوض مع الحكومات الأجنبية، وتحليل أثر التحولات السياسية المتغيرة في مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، والدفاع عن المصالح الأمريكية لدى الحلفاء المقربين والخصوم الشرسين على حد سواء. إنها مهنة تنطوي على مسؤوليات جسيمة ذات رهانات غير مسبوقة.
يتعامل الدبلوماسيون الأمريكيون اليوم مع تنافس القوى الكبرى، ويسهمون في احتواء الأزمات العالمية، ويحمون الأمريكيين ومصالحهم في كل بقعة من العالم. أما أسلافهم، فقد حققوا إنجازات استثنائية، وجنّبوا العالم كوارث محققة، وحوّلوا أمريكا من جمهورية زراعية ناشئة إلى أقوى دولة على وجه الأرض.
وهذا العمل الحيوي يضع موظفي السلك الدبلوماسي في صميم التقليد العريق للدبلوماسية الأمريكية، وهو تقليد أثبت أهميته البالغة لأمن الولايات المتحدة وازدهارها وطموحاتها العالمية منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا.
إن هذه الرسالة قديمة قدم الولايات المتحدة نفسها. ففي مطلع عام 1776، أوفد الكونغرس القاري سرًا سيلاس دين إلى فرنسا لبدء التفاوض بشأن دعم قضية الاستقلال الأمريكي. وبعد ستة أشهر من إعلان الولايات المتحدة استقلالها رسميًا عن بريطانيا، سافر بنجامين فرانكلين إلى باريس سعيًا لكسب الدعم للقضية الأمريكية الناشئة.
وقد قدم الفرنسيون دعمهم للأمريكيين سرًا في البداية، ثم وقّعوا في عام 1778 معاهدات اعترفوا فيها رسميًا بالولايات المتحدة. وانتصر روح عام 1776 في عام 1783 بتوقيع معاهدة باريس، التي اعترفت بموجبها بريطانيا بالولايات المتحدة دولةً ذات سيادة.
ولولا دبلوماسيون أمثال سيلاس دين وبنجامين فرانكلين، لما قامت للولايات المتحدة قائمة. إن تاريخ الدبلوماسية الأمريكية وثيق الصلة بتاريخ أمريكا نفسها، ولا ينفصل عنه.
لقد ضمنت الدبلوماسية الأمريكية الأراضي التي جعلت من الولايات المتحدة قوةً قارية، وتفاوضت على اتفاقيات تجارية أسهمت في بناء أكبر اقتصاد في العالم، وأرست تحالفات جعلت من أمريكا في نهاية المطاف أقوى دولة في العالم. فمن مبدأ مونرو إلى إعادة تأكيد القيادة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، ظل الدبلوماسيون في قلب أكثر اللحظات حسمًا في التاريخ الأمريكي.
غير أنه مع بروز الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية، بدأ تركيز سياستنا الخارجية يبتعد عن مصالحنا الوطنية. وانشغل صانعو السياسات والدبلوماسيون على حد سواء بالتعددية والحوكمة العالمية.
وقد استهوت الطبقة السياسية الأمريكية أوهام ما سُمّي بـ“نهاية التاريخ“، ففقدت البوصلة تجاه الغاية من سياستنا الخارجية، ومعها الغاية من السلك الدبلوماسي الأمريكي.
وخضعت المصلحة الوطنية الأمريكية لثقل المؤسسات الدولية غير الخاضعة للمساءلة، وحلّت المثالية المفرطة محل الحنكة الدبلوماسية العملية، وأزاحت العقائد الأيديولوجية المتطرفة مبدأ الجدارة. وقد سمحت طبقتنا السياسية للسلك الدبلوماسي الأمريكي بأن يضعف، في الوقت الذي عمل فيه منافسونا الاستراتيجيون بثبات على تقويض النظام الأحادي القطبية.
إن التاريخ لم ينتهِ، بل ما زال يُصنع. ويجب أن يكون السلك الدبلوماسي الأمريكي في طليعة صياغة مستقبل تحافظ فيه الولايات المتحدة على قوتها وسيادتها وثقتها بنفسها في السعي الصريح وراء مصالحها الوطنية.
تتطلب المرحلة الراهنة سياسةً خارجية تجعل أمريكا أكثر أمنًا وقوة وازدهارًا، مدعومة بجهاز دبلوماسي نخبة موحّد في مهمة مشتركة. وفي ظل الرئيس دونالد ترامب، فإن هذه المهمة واضحة: وضع أمريكا أولًا.
ولهذا السبب، شرعت وزارة الخارجية في اتخاذ خطوات لتعزيز جهود استقطاب الكفاءات إلى السلك الدبلوماسي، وصقل آلية الاختيار، بما يضمن جاهزية بعثتنا الدبلوماسية لتقديم الاستجابة الأمريكية لأشد التحديات إلحاحًا، من إعادة توجيه سلاسل التوريد إلى الهجرة الجماعية وما يتجاوزها.
في ظل الرئيس دونالد ترامب، ألغت الوزارة ما شابَ التوظيف في السلك الدبلوماسي من إفراط في تطبيق سياسات التنوع والإنصاف والشمول، وأعادت توجيه امتحانات القبول بحيث تقيس على نحو أدق القدرات الذهنية والمعرفة ذات الصلة. ويتلقى الموظفون الجدد تدريبًا جادًا في التاريخ الدبلوماسي، ومهارات العمل الدبلوماسي، وأسس سياسة “أمريكا أولًا“ الخارجية، بدلًا من إضاعة الوقت في إجراءات بيروقراطية مملة. كما بات بإمكان الموظفين ذوي الأداء المتميز أن يتدرجوا إلى مواقع قيادية في سن مبكرة، بدلًا من أن يظلوا عالقين في دهاليز البيروقراطية. ونحن نبني جهازًا دبلوماسيًا تستفيد من القوة الأمريكية ويوظفها بفاعلية لتحقيق نتائج تخدم مصالح بلادنا في أي مكان من العالم.
ربما كان بنجامين فرانكلين من أوائل دبلوماسيي الولايات المتحدة، غير أن الفضائل التي جسّدها هي ذاتها التي ينبغي لموظفي السلك الدبلوماسي الأمريكي أن يسعوا إلى التحلي بها اليوم. فقد كان حكيمًا ولبقًا، جذابًا ومقنعًا، حازمًا وصبورًا. وقد أشار معاصروه إلى ثقته الراسخة ورباطة جأشه حتى في أكثر المواقف خطورةً وأهمية. والأهم من ذلك، أنه تحلّى بالتزام لا يلين بقضية الولايات المتحدة، وهو ما منحه القدرة على تسخير هذه الفضائل مجتمعةً في خدمة دولة ناشئة ستعدّه لاحقًا أحد آبائها المؤسسين.
إن عصرنا الحديث يحتاج إلى أمريكيين عظماء يسعون إلى المثال الذي قدمه بنجامين فرانكلين، ويقودهم في جوهرهم حب الوطن، ويكرسون عقولهم ومواهبهم وعزمهم لخدمة أمتهم. فالانضمام إلى السلك الدبلوماسي لا يعني فقط الاندماج في هذا التاريخ العريق، بل يعني أيضًا أن تصبح، مثل فرانكلين، وجه أمريكا، وأن تؤثر في مجرى التاريخ وهو يُصنع.
- المقالة وصلت عن طريق البريد الإلكتروني من Global Public Affairs


