د. نعيمة عبدالجواد تكتب لـ(اليوم الثامن):
أوجست ويلسون والأقفاص ثلاثية الطبقات
من أقسى الجرائم التي يقترفها الفرد في حق نفسه هي التسليم بالأمر الواقع والانسياق وراء خيبات الأمل المتتالية وتبعاتها، والأسوأ من هذا هو الانخراط السلبي في تلك التبعات؛ وذلك بالوقوع في دوامتها وباليأس من وجود مخرج. وعلى مدار قرون كثيرة منصرمة، شغلت قضايا العبودية والتميز العنصري حيِّزا كبيرًا من التاريخ، وكانت الولايات المتحدة من أكثر الدول التي أضحت موئلًا لتلك القضايا؛ بسبب وجود أعداد ضخمة لأجناس ذات أصول أفريقية، وكذلك إثنيات أخرى. والأدهي من هذا، شمولية التوصيف دون محاولة التمييز بين الطبقات وصنوف البشر. فلقد أصبح جميع ذوي البشرة المخالفة سواء، مهما اختلفت طبقاتهم أو حظوظهم من التعليم.
ولقد كانت حركة القوَّة السوداء في الولايات المتحدة التي استشرت في ستينات القرن الماضي ثورة، كان من شأنها ليس فقط إعادة تعريف وجود ذوي البشرة السوداء، بل أيضًا تحريرهم من العبودية والتبعية الجبرية والتميز العنصري، تلك الجرائم الأخلاقية التي تم اتخاذها من المسلَّمات على مدار قرون طويلة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذ سقف الحرِّيات يعلو إلى أن شغل عبيد الأمس مناصب رفيعة داخل الدولة، وتلاشت لحد بعيد الخطوط الفارقة، أو بالأحرى الأسوار الدامغة التي تفصلهم عن عالم ينظر لهم بدونية وشمولية، وكأنه كان يسجنهم قسرًا في أقفاص؛ حتى لا يتسنى لهم أبدًا الخروج من الهامش المتواجد في أقصى أطراف المجتمع.
وواحدًا من أبرز الكتَّاب الأفارقة الأمريكيين الذين تمكَّنوا من الغوص بعمق ونفاذ بصيرة إلى ذاك الجانب، الكاتب المسرحي "أوجست ويلسون" August Wilson (1945-2005) الملقَّب ب"مدوِّن يوميات الشعب الأسود" وكذلك "الشاعر المسرحي لأمريكا السوداء". ومن الجدير بالذكر أنه اكتسب هذين اللقبين لأن أعماله تناقش تفاصيل حياة المهمشين الذين لا يعانون فقط من التبعات السلبية للتمييز العنصري، بل أيضًا لا يعتبر وجودهم أحد، بما في ذلك أقرانهم من ذوي البشرة السوداء، ولا يوجد من يعتبرهم أفرادًا لهم حياة خاصة تتخللها أفراح وأحزان ولحظات من التفاؤل وخيبات الأمل والوفاء والخيانة. فعلى سبيل المثال عامل النظافة أو جامع القمامة لا يحاول أحدهم سبر أغوار حياته الشخصية؛ فهو بالنسبة للجميع مجرد نمط تمَّت قولبته وتصنيفه كغيره من أقرانه. ومن المدهش أن تلك الطبقات التي تقع على أقصى هامش المجتمع، في جميع المجتمعات على حدٍ سواء، لا يهتم بأفرادها أيٍّ كان، ولا حتى يميِّز أحدًا ملامحهم، ولو حدث ذلك يكون بصعوبة بالغة، حتى ولو كان ذاك الفرد متواجدا يوميًا أمام أعينهم. وبهذا يتم سجن تلك الطبقات في أقفاص ثلاثية الطبقات، فهناك قفص التمييز العنصري ويقع بداخله قفص التهميش، وأقسى تلك الأقفاص وأصغرها هو قفص عدم اللامبالاة بوجود كيانات يجب أن تنال حظها من الانتباه.
ولقد عاني "أوجست ويلسون" في بداية حياته من التمييز والتبعية واللامبالاة، وفاقم الوضع نشأته كإبن لأب ألماني أبيض اللون كان يعمل خبَّازًا وحلواني، وأم سوداء تُنظِّف المنازل كي تكسب قوت يومها؛ أي أنها كانت واحدة من تلك الطبقات المهمَّشة التي وضعها المجتمع في الأقفاص الثلاث. وفاقم تهميشها تغييب زوجها عن المنزل لفترات طويلة، مما جعلها المسئولة الوحيدة عن تربية أبنائها الست في شقة صغيرة مكونة من حجرتين. ويُحْكَى أن جدته لأمه سارت على قدميها من ولاية كارولينا الشمالية إلى ولاية بنسلفانيا بحثًا عن حياة أفضل، وتبعتها، فيما بعد، ابنتها وأولادها الست.
ولقد عانى "ويلسون" كذلك من عدم القدرة على تحديد انتماءاته، فهو لا يدري إن كان يجب عليه الانحياز لعرقه الأبيض أم يسلِّم بالأمر الواقع بأنه أسود البشرة. وحتى معدَّل ذكائه المرتفع الذي أهَّله وهو في سن الرَّابعة لأن يتمكَّن من القراءة والكتابة، وأن يكتب مقالًا عن نابليون بونابرت وهو في المدرسة الثانوية كان سببًا في وضع العراقيل أمامه. ويحكى أن المدرِّس طرده ووصمه بتهمة نقل مقالات من الكتب عند قراءة مقاله عن بونابرت. ومنذ ذاك الحين، قرر "أوجست ويلسون" أن يتولى مسألة تعليمه بنفسه من داخل المنزل، وتمكَّن بذلك من مواصلة سعيه وراء شغفه بتعلُّم اللغة ومفراداتها وأساليبها. وكان أوَّل تطبيق عملي لما تعلَّمه بعد أن استخدم العشرين دولارًا، التي منحته إيَّاها أخته ليكتب لها بحثًا، في شراء آلة كاتبة، وعليها كتب أولى أشعاره. وبعدها كانت انطلاقته الأولى حينما استطاع تكوين صداقة مع مجموعة من الأدباء، وأصبح كاتبًا مسرحيًا لمع نجمه بسبب تشريحه الدقيق للطبقات المهمَّشة.
وفي غمار البحث عن هوية مميَّزة تحرِّره من أقفاص التبعية والتهميش واللامبالاة، وجد أن السبيل الوحيد هو اعتناق تاريخه الأفريقي وهويته السوداء بصورة إردوازية، وذاك المفهوم تمت استعارته من تكنيك كان يتبعه الصنَّاع في العصور الماضية. فبسبب نقص المواد الخام، كان يعمد الصنَّاع والكتَّاب إلى استخدام ألواح الكتابة مرارًا وتكرارًا؛ وذلك بطمس الكتابات السابقة، وبدء النقش على الألواح مرَّة أخرى. إلَّا أن تلك العملية لا تمحي وجود كتابات سابقة. وكما أكَّد العالم النفسي الشهير سيجموند فرويد Sigmond Freud قائلًا: "تلك الكتابات القديمة يمكن قراءاتها عند تسليط الضوء المناسب عليها"، وكان ذاك هو الأسلوب الذي اتبعه في التحليل النفسي. أمَّا الكاتب والناقد الإنجليزي "توماس دي كوينسي" Thomas de Quincey (1785-1859) فإنه استخدم تلك الاستعارة في وصف الذاكرة؛ فقد تسقط بعض الأحداث من ذاكرة البشر سواء على مستوى الفرد أو الجماعة، ولكن لا ينفي ذلك وقوع تلك الأحداث، أو تذكُّرها عند إثارتها بأحد المحفِّزات.
ونموذج "أوجست ويلسون" وغيره من أقرانه الأفريقيين الأمريكيين متكرر، بيد أن وجوده عالقًا بين حضارتين مختلفتين بداخل منزله وكذلك خارج محيط العائلة سبب له اضطرابًا في الهوية والشعور بأنه قد فقد الانتماء إلى جذوره التي لا يستطيع تحديدها بسبب تشتته بين حضارة بيضاء أوروبية، وأخرى أفريقية أمريكية. ومن الجدير بالذكر أن "أوجست ويلسون" لم يستطع أن يحدد انتماءه الثقافي إلَّا في سن الثانية عشرة بعد أن أن انخرط في حياة أقرانه السود واعتنق بداخله تلك الهوية. ولقد كتب عن تاريخ المهمَّشين الذين تم سجنهم في أقفاص ثلاثية الطبقات حتى يساهم في عمل ترابط متين في نسيج المجتمع الأسود يحميه من التفكك وعدم تحديد الانتماء، كما كان الحال بالنسبة للأجيال السوداء الضائعة التي كانت تعتنق حياة المجتمع الأبيض الذي ينظر لها بدونية ولا يقبل وجودها في نسيجه.
ولهذا السبب، نجحت حركة القوة السوداء واستطاع المجتمع الأسود أن يحرر نفسه وأن يمتزج، إلى حد بعيد، في المجتمع الأبيض. أمَّا في العصر الحديث، فما أكثر الأجيال الضائعة التي لا تستطيع تحديد انتماءاتها وأهدافها، والأدهى أنها ارتضت لنفسها حياة مفككة تسيطر عليها بداوة التاريخ والأفكار. ولكم يأمل العقلاء أن تكتشف تلك الأجيال تاريخها الإردوازي حتى لا تمحي طيَّات الزمان وجودها للأبد.


