د. عادل عامر يكتب لـ(اليوم الثامن):
موجة ارتفاع الأسعار في مصر بين ضغوط المعيشة وضرورة ضبط الأسواق
لم تعد قضية ارتفاع الأسعار في مصر مجرد مسألة اقتصادية تُقاس بأرقام التضخم، وإنما أصبحت قضية تمس الحياة اليومية للمواطن، وتؤثر بصورة مباشرة في قدرته على تلبية احتياجاته الأساسية، وفي مستوى معيشته، وفي قدرته على التخطيط لمستقبله.
ورغم أن معدلات التضخم شهدت تباطؤًا خلال الفترة الأخيرة، فإن انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار؛ فالتضخم يقيس سرعة ارتفاع الأسعار مقارنة بفترة سابقة، بينما تظل الأسعار التي ارتفعت بالفعل عند مستوياتها الجديدة ما لم يحدث انخفاض فعلي فيها.
وتشير أحدث بيانات البنك المركزي المصري إلى أن معدل التضخم العام في المدن بلغ 14.5% خلال أغسطس 2026 مقابل 14.9% في يوليو، بينما سجل التضخم الأساسي 14.9%. كما سجلت أسعار الغذاء تحسنًا نسبيًا، في حين استمرت الضغوط في بعض السلع والخدمات غير الغذائية.
لماذا يشعر المواطن بارتفاع الأسعار رغم تراجع التضخم؟
الإجابة تكمن في أن المواطن لا يتعامل مع «معدل التضخم» وإنما مع فاتورة مشترياته اليومية. فإذا ارتفع سعر الغذاء أو النقل أو الكهرباء أو الخدمات، فإن المواطن يشعر مباشرة بتأثير ذلك على دخله، حتى لو تباطأت الزيادة في الأسعار خلال شهر معين.
كما أن ارتفاع تكاليف بعض عناصر الإنتاج والنقل والطاقة ينعكس تدريجيًا على أسعار السلع والخدمات، وهو ما يجعل السيطرة على التضخم عملية تحتاج إلى وقت واستمرار في السياسات الاقتصادية والرقابية.
وتكشف البيانات الرسمية أن التغير الشهري في أغسطس كان محدودًا، لكن ذلك جاء نتيجة تحركات متباينة داخل سلة الاستهلاك؛ فقد انخفضت أسعار بعض الأغذية، بينما قابل ذلك ارتفاع في بعض تكاليف السكن والكهرباء والغاز والسلع والخدمات الأخرى.
الأسواق بين العرض والطلب
أحد المفاتيح الأساسية لمواجهة ارتفاع الأسعار يتمثل في زيادة المعروض من السلع وتقليل الحلقات الوسيطة بين المنتج والمستهلك.
فكلما زاد المعروض الحقيقي، وتحسنت كفاءة سلاسل التوريد والتوزيع، وتراجعت الممارسات الاحتكارية، أصبح من الممكن الحد من الضغوط السعرية.
وفي هذا الإطار أعلنت وزارة التموين في سبتمبر 2026 عن مبادرة لخفض أسعار مجموعة من السلع الأساسية، مع خطة للتوسع في المعروض والمنافذ وتقليل الحلقات الوسيطة وتعزيز الرقابة على الأسواق.
المشكلة ليست في الأسعار وحدها
الخطر الاقتصادي والاجتماعي لا يتمثل فقط في ارتفاع سعر السلعة، وإنما في الفجوة بين نمو الأسعار ونمو الدخول.
فإذا ارتفعت تكلفة الغذاء والسكن والنقل والتعليم والخدمات بوتيرة أسرع من نمو دخول الأسر، فإن القوة الشرائية للدخل الحقيقي تتراجع، حتى لو ظل الراتب الاسمي كما هو.
ولهذا فإن مواجهة موجة ارتفاع الأسعار لا يمكن أن تعتمد على الرقابة وحدها، ولا على الإجراءات النقدية وحدها، وإنما تحتاج إلى حزمة متكاملة تشمل زيادة الإنتاج، وتحسين سلاسل الإمداد، وتشجيع المنافسة، ومكافحة الاحتكار، ودعم الفئات الأكثر تعرضًا لضغوط الأسعار.
الرقابة وحدها لا تكفي
من الخطأ التعامل مع كل ارتفاع في الأسعار باعتباره نتيجة جشع التجار فقط؛ لأن الأسعار تتأثر أيضًا بتكلفة الإنتاج والاستيراد والنقل والطاقة وسعر الصرف والطلب المحلي والظروف الدولية.
وفي المقابل، فإن وجود تكاليف حقيقية لا يبرر الممارسات الاحتكارية أو المغالاة غير المبررة أو حجب السلع بهدف تحقيق أرباح استثنائية.
ومن هنا تأتي أهمية الرقابة القائمة على بيانات حقيقية، بحيث تستطيع الجهات المختصة التمييز بين الزيادة التي تفرضها تكلفة اقتصادية حقيقية، والزيادة الناتجة عن استغلال السوق أو ضعف المنافسة.
حماية المواطن تبدأ من حماية القوة الشرائية
المواطن لا يحتاج فقط إلى أن يجد السلعة في الأسواق، وإنما يحتاج إلى أن تكون متاحة بسعر يتناسب مع دخله.
وهنا تصبح حماية القوة الشرائية هدفًا اقتصاديًا واجتماعيًا في الوقت نفسه.
فالمواجهة الحقيقية لموجة ارتفاع الأسعار يجب أن تقوم على ثلاثة محاور متوازية:
أولًا: زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات في السلع التي يمكن إنتاجها محليًا.
ثانيًا: ضبط الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب، مع تقليل حلقات التداول والوسطاء.
ثالثًا: حماية أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة من آثار ارتفاع تكاليف المعيشة من خلال سياسات اجتماعية واقتصادية أكثر استهدافًا.
الاقتصاد الحقيقي هو الحل المستدام
قد تنجح الإجراءات العاجلة في تهدئة بعض الأسعار، لكنها لا تستطيع وحدها حل المشكلة على المدى الطويل. الحل الأكثر استدامة يبدأ من زيادة الإنتاجية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوطين الصناعة، ودعم الزراعة، وتطوير منظومة النقل والتخزين، وزيادة المنافسة، وتحسين كفاءة الأسواق.
فكلما ارتفعت قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات محليًا، أصبح أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات الأسعار العالمية.
المواطن يريد نتيجة يلمسها
في النهاية، الأرقام الاقتصادية مهمة، ومعدلات التضخم ضرورية لقياس أداء الاقتصاد، لكن المواطن يقيس الوضع الاقتصادي بطريقة مختلفة: كم كان يشتري دخله بالأمس، وكم يستطيع أن يشتري اليوم؟
وهنا يجب أن تكون المعركة الحقيقية هي استعادة التوازن بين الأسعار والدخول، وتحويل انخفاض التضخم من مجرد تحسن في المؤشرات إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية.
إن مواجهة موجة ارتفاع الأسعار ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما مسؤولية مشتركة بين السياسات النقدية والمالية، والحكومة، والمنتجين، والتجار، وأجهزة الرقابة، والمستهلك نفسه.
والهدف النهائي ليس فقط أن يتباطأ ارتفاع الأسعار، وإنما أن يشعر المواطن بأن دخله يستعيد قدرته على تلبية احتياجاته الأساسية، وأن السوق يعمل بصورة أكثر انضباطًا وعدالة وشفافية.


