د. أنور محمد موسى يكتب لـ(اليوم الثامن):

فرص التغيير في العالم العربي.. بين رِثاء الحال و الخطوات العمليّة

غزة

التغيير كما نقصده هو التغيير للأفضل في عموم العالم العربي،  و نبحث عنه من منطلق علمي واقعي و منهجي.  و حتى يكون التغيير المأمول مبنيّاَ على أسس واضحة، من المهم تذكّر الحقائق التالية:

  1. العالم العربي يجمعه تاريخ مشترك و لغة واحدة و قوميّة جامعة،  و وحدة جغرافية متواصلة و دين واحد (في معظمه). ولذلك فإنّ العرب أولى بأن يكوّنوا وطنا موحداً من كثير من الإتحادات العالمية مثل الهند و الصين و روسيا، التي يتكون كلٌّ منها من عشرات القوميات و الثقافات و الأديان و اللغات المختلفة و مع ذلك أوطان موحدة! القومية العربية الجامعة هي "هويّة ثقافية وليست مضمونًا فكريًا وسياسيًا قائمًا بذاته، و هي تستوعب تحت مظلّتها كل الخصوصيات الإثنية الأخرى. فالهوية العربية مثلها كمثل "الهوية الأميركية" التي استوعبت مئات الملايين من أصول عرقية وإثنية ودينية مختلفة". اقتباس من ‏[1] . و من المؤكد أنّ سكان الأرض العربية لم يأتوا جميعا من الجزيرة العربية، فمنهم أحفاد الفراعنة في مصر و أحفاد الآشوريين والبابليين في العراق وأحفاد الآراميين والسومريين والتدمريين في سوريا وأحفاد الكنعانيين في فلسطين ، وأحفاد الفينقيين في لبنان و الاخوة الأمازيغ و البربر في المغرب بالاضافة للأخوة الأكراد و غيرهم ‏[2]. و يمكن تقسيم مواطني الأرض العربية إلى الثلاث فئات التالية:
  2. الفئة الأولى التي تعتز بهويتها العربية كهوية ثقافية حاليّة بغض النظر عن الأصل الإثني منذ آلاف السنين.
  3. الفئة الثانية التي تشعر بالخجل من هويتها العربية بسبب سوء الوضع العربي الحالي و الذي لا يبعث على الفخر! (يهربون من عروبتهم إلى أصولهم منذ آلاف السنين: كالفراعنة و الآشوريين والبابليين و الآراميين والسومريين والتدمريين و الكنعانيين ، و الفينقيين و غيرهم، برغم أنهم لا يعرفون عنهم غير الآثار!) و هؤلاء يمكن ايجاد العذر لهم في هذا الوقت. إلاّ أنهم سرعان ما ستتغير نظرتهم بمجرد تحسّن الوضع العربي و بدء نهضة عربية حقيقية و شاملة.
  4. الفئة الثالثة و هم الأخوة الذين يتمسكون بقومية و ثقافة حاليّة مختلفة، و لهم كل الحق في ذلك، كالأكراد و الأمازيغ و غيرهم.

و مع ذلك، فيجدر الإنتباه غلى أنّه عند إكتمال نهضة عربية حقيقية و شاملة فإنّ الفئات الثلاث السابقة ستستفيد، و سيتمتعون جميعا كمواطني الوطن العربي (أو الولايات العربية المتحدة) بكافة الحقوق و الواجبات و المساواة التامة سواء كانوا عربا أو أقليّات.

 

  1. تم تقسيم الأمة العربية سنة 1916 عبر اتفاقية "سايكس-بيكو" و زُرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية لإبقائها مفتّتة، و لعرقلة أي محاولة للنهضة الشاملة  . ذلك يرجع الى الحقائق التي تميّز الأرض العربية كملتقى لثلاث قارات و كخازنة لثروات طبيعية متنوعة و كنقطة تقاطع للحضارات العالمية الرئيسية القديمة، و كمهد للأديان السماوية، ما جعلها "بؤرة كامنة لصراع الحضارات"! و قد لُوحظ أنّ الشعب العربي- من المحيط إلى الخليج- يعي ذلك جيداَ و قد أثبت تمسّكه القاطع بهويته العربية الجامعة من خلال المظاهر المتتعدّدة في مونديال كأس العالم في قطر 2022، و التي أظهرت و بوضوح وحدانيته ، و إلتفافه حول قضيته المركزية فلسطين لإقتناعه أنّ الكيان الصهيوني ليس هدفه احتلال فلسطين فقط و انّما لعرقلة أي محاولة لنهضة الأمة العربية.
  2. إن حالة الإنقسام القائمة حَالِيًّا في العالم العربي و ما ترتّب عليها من حدود مصطنعة و شواهد و عقبات بنيوية كثيرة، ليس لها جذور و لا ترتكز على قاعدة صلبة. و القضاء على حالة الإنقسام هذه ليس مستحيلاً، بل و ليس صعباً، و لكنه لا يتم بعصاً سحرية، و إنّما بخطة منهجية على أساس علمي و بمراحل للتنفيذ تأخذ وقتها الكافي.
  3. الأقطار العربية منفردة غير قادرة على بناء نهضة حقيقية شاملة في مختلف المجالات، ترتكز على بناء الإنسان العربي و استنهاض طاقاته، و على إمتلاك الشعب لمصادر غذائه و دوائه و علاجه، و على وجود مختبرات البحث و التطوير في أفرع العلم المختلفة، و على التصنيع الذاتي لتكنولوجيا فائقة تنافس للتصدير في الأسواق العالمية.  و  على الصناعة الذاتية لمستلزمات الدفاع. يخطيء من يظن أنّ اقامة الأبنية الشاهقة أو القصور  هي من مظاهر التطوّر، خاصة عندما يكون بناؤها قد تم بخبرات خارجية! حتّى أنّ بناء الطرق الحديثة و الجسور و غيرها من مستلزمات الحياة و التنقل هي من العوامل المساعدة للنهضة و ليست من أساسياتها. انّما أساسيات النهضة هي بناء المصانع الحديثة ذات التقنيات العالية و المنتجة بمقاييس عالمية منافسة للسوق المحلى و التصدير. و كذلك رفع نسبة البحث العلمي من الدخل القومي لتتماشى مع متطلبات العصر. و بناءَ على ما سبق فإنّ الأقطار العربية الغنيّة و التي تعتمد على الثروات الطبيعية في رفاهية مواطنيها لا تمتلك أساسيات  النهضة الحقيقية! وجود الثروات الطبيعية مثل البترول و المعادن لا يمكن أن تمثّل أساسا من أساسيات نهضة الشعوب! بل على العكس، ممكن أن تكون عامل تراخٍ و تكاسل!

 

  1. ينبغي الإعتراف بأنّ "صناعة الجهل" تُمارس حاليّاً- و مُورست من قبل- بصورة منهجية و متعمدة في كل ما يخص حاضر و مستقبل الشعب العربي! و هذا حصل سابقاً عبر البرامج التلفزيونية الموجّهة و وسائل الإعلام و غيرها، و يحصل الآن بكثافة عبر وسائل التواصل الإجتماعي. و يتوجّب على المختصين من أبناء الشعب العربي التصدي لهذه الصناعة المقصودة بإنتاج ما يفيد و يجذب المواطن العربي  بشكل علمي منهجي و مدروس.

 

  1. الوضع الجيوسياسي للمنطقة العربية يثبت من الناحية الواقعية عدم إمكانية تحقيق الاستقرار فيها، و بالتالى النهضة الشاملة و الدفاع عن مقدراتها و صيانة حقوق و كرامة شعبها، إلاّ بوجود كيان عربي متّحد اتحاداَ فيدرالياً كاملاً (الولايات العربية المتحدة). و هذه حقيقة علمية واقعية و ليست شعارات عاطفية رنّانة. و لا يُضير هذه الحقيقية كثرة الأخطاء التي ارتكبت سابقا- بقصد أو بدون قصد- من قبل من نادوا باسم الوحدة العربية أو القومية العربية. والكيانات العربية المشتّتة و التابعة لأجندات غير منسّقة و التي تتبع كل دولة عربية بهيئتها المتفرقة لن تستطيع مواجهة التحديات العالمية الضخمة في عصر التجمعات العالمية الكبرى- أُنظر إلى الإتحاد الأوربي كمثال.

 

  1. العالم العربي يُعد قلب العالم الإسلامي، و بالتالي فالعالم الإسلامي سيكون أقوي بعالم عربي موحّد.و العالم الإسلامي لا يمكن توحيده الّا إذا توحّد قلبه أولاً.   هذا من المهم تذكيره لكثيرين ممن يختلط عليهم الأمر بأولويات الوحدة! و لكن يجب أن تُبنى الولايات العربية المتحدة- المأمولة- على أسس دولة المؤسسات التي يتم فيها تبادل سلس و سلمي للسلطات كافة عبر الطرق الديمقراطية. و من أجل الوصول لهذا الهدف، يجدر التركيز ، ليس فقط على  بناء ثقافة الديمقراطية فحسب، و انما أيضا على النشر الممنهج و الشامل لثقافة التسامح  وقبول و احترام الآخر على مستوى الأفراد في الوطن العربي و نبذ الميل للعنف و العنصرية بكافة أشكالها. و من الواجب تشكيل رأي عام عربي يمثّل قاسماً مشتركاً بين مختلف التوجّهات الفكرية و السياسية والأيديولوجية وضاغطاً باتّجاه الوحدة العربية الطوعية كإتحاد فيدرالي بين "الإثنتين و العشرين ولاية" التي تمثّل الدول العربية الحالية. و من أجل هذا الهدف،لن يتم التطرّق الى الإختلافات الفكرية و السياسية والأيديولوجية – مع إحترامها- لأن الهدف الأساسي هو إقامة الوطن الموحّد و بعد ذلك يُترك شأن طبيعته الدستورية و الأيديولوجية لرأي الأغلبية عبر الطرق الديمقراطية.

 

  1. العلاقات البينيّة بين الدول في العالم هي مزيج من المصالح و التآمر- مهما كانت الدول حليفة في الظاهر. فالتآمر - إذن-  ليس مقصورا على المنطقة العربية، و لكنه يتم بصورة أكثر تركيزا بسبب مميزاتها السابقة.و حيث أنّ الوضع العربي الحالى  المفكّك لا يستطيع مواجهة التحديات المصيرية للأمة العربية، نجد القوى العالمية-التي تدرك ذلك جيداً- تعمل كل جهدها لعرقلة ما يحلم به أبناء الشعب العربي بقيام إتحاد عربي على أسس ثابتة. 

 

  1. الدولة تكون قوية بقدر قوة و شفافية و استقلالية الجهاز القضائي التابع لها! و العدل يُعد أساس و مقياس قوة الأوطان. و يجدر التنويه هنا أنّ اقامة العدل يُقصد به العدل الداخلي، او عدل الدولة تجاه مواطنيها و ليس العدل تجاه الدول الأخرى أو المواطنين الأجانب! لا يوجد عدل في السياسات الخارجية للدول إنّما مصالح، و لا توجد قوة للعدل، للأسف، إنّما يوجد عدل القوة، تماما كما لا توجد قوة الحق و إنّما حق القوة! 

 

  1. العالم العربي يعاني من سوء الأوضاع في جميع المجالات حيث لا تتوفّر أساسيّات الحياة الكريمة للمواطن العربي في كثير من الأقطار العربية، ناهيك عن غياب أسس الإبداع و آفاق الطوح و تحقيق الذات. هذا عوضاَ عن المآسي المتعددة المتمثّلة  بالحروب المفتعلة في أجزاء متعددة من الوطن العربي، و ما نتج، و ينتج، عنها من قتل للنساء و الأطفال و الرجال و العجائز، و من تهجير قسري إلى بلاد العالم[1]، و ما يسببه من موت و إهانات.

 

  1. في العالم العربي يوجد الكثير من مراكز الدراسات و البحوث الإستراتيجية  التي تهتم بالشأن العربي العام و تقوم بإنجاز كم كبير من الأبحاث و الدراسات و التوصيات الرائعة و القيّمة، و لكنها للأسف تأخذ طريقها إلى الأدراج بعد قراءتها من عدد محدود من المهتمين! السبب هو أنّ الأبحاث و الدراسات المنجزة لا تحمل في طياتها – رغم أهميتها- الأليّات و الخطط العملية للتطبيق! و من الملاحظ أيضاَ أنّ معظم الكتّاب العرب الذين يتناولون الشأن العربي العام في كتاباتهم في الصحف و المواقع المختلفة يقومون بوصف تفصيلي للوضع العربي الحالي و ما به من سوء و ضعف و هوان مع بيان الأسباب التي أدّت إليه. ثمّ يقومون بإعطاء النصائح و التوجيهات للشعب بأنّ عليه الإستفاقة من غيبوبته و فعل كذا و كذا. أو يناشدون الحكومات بأن تُشمّر عن سواعدها و أن تفعل هذا و ذاك لمواجهة قضايا الأمّة المصيرية و تأمين العيش الكريم و حرية التعبير للمواطن العربي! و هنا تجدر الإشارة لما يلي:

 

 

  • أولاَ: مناشدة الحكومات العربية بأن تقوم بواجباتها تجاه قضايا الأمّة المصيرية و تجاه مواطنيها، و أن تحقق التكامل أو الوحدة العربية و غير ذلك من الطلبات و الأُمنيات و النصائح التي لا يتوقف الكتّاب- بحسن نيّة أو بالأمل- عن إسدائها لا تغني و لا تسمن من جوع! و الكتّاب أنفسهم يعرفون ذلك!
  • ثانياَ: الإستمرار بإعطاء النصائح و التوجيهات-فقط- للشعب بأنّ عليه الإستفاقة و التحرّك من أجل حاضره و مستقبله ليس عمليّاَ.  وبرغم أنّ الشعب العربي غالبيته مشغول بتأمين لقمة العيش و مكبّل بمستلزمات حياته و أمور أخرى، فانه بالطبع مستعد لعمل اللازم من أجل مصلحته و مصلحة أجياله المستقبلية في حال طُرحت عليه خطة عملية و منهجية مقنعة و آمنة للتغيير. 
  • ثالثاَ: الوضع العربي الحالي و ما به من سوء و ضعف و هوان لا يخفى على أحد. و هو ماثل أمامنا لا يحتاج لمزيد من الشرح، و يكتوي به المواطن العربي منذ عشرات السنين.و لا فائدة،إذن، من الإستمرار في وصف و رثاء الوضع العربي دون أن نقدم حلول عملية منهجية للخروج منه إلى الأفضل.

 

 و هنا يُطرح السؤال الكبير: كيف نقدّم حلولاً عملية قابلة للتطبيق للخروج من الوضع العربي الحالي للأفضل؟ و قبل أن نحاول الإجابة، نستعرض فيما يلي- بإيجاز- فرص التغيير في العالم العربي و مدى قابليّها للتحقّق و النجاح:

  1. انتظار البطل "المُنقذ" ‏[3]  الذي سيوحّد الأمّة العربية و يبني نهضتها العلمية و الإقتصادية الشاملة لتكون في مصاف الدول العظمى. هذا الطرح العاطفي غير مناسب في العصر الحديث الذي تعتمد قوة الدول فيه على المؤسسات القائمة عليها و ليس على الأفراد.
  2. دعوة الأنظمة العربية للتوحّد ذاتياَ لمواجهة التحدّيات الداخلية و الخارجية  هو محض من الخيال للأسباب التي يعرفها الجميع.
  3. التمنّي على الحكومات العربية أن تحقق التكامل العربي- على الأقل- غير واقعي و غير قابل للتطبيق لأنّ التكامل يتم بين دول مبنيّة على حكم المؤسسات، و هذا بالطبع ليس الحال في أقطار العالم العربي. كيف نتحدّث عن التكامل في العالم العربي و نصف سكانه يفتقرون إلى الوقود اللازم لتشغيل الكهرباء و الإنارة في حين يُغرق النصف الآخر العالم بصادرات البترول! أين التكامل، و نصف مواطني العالم العربي بالكاد يجدون ما يسد جوعهم في حين يملأ النصف الآخر حاويات القمامة بالأكل الزائد!
  4. الثورات الداخلية لم يُكتب لها النجاح لأسباب عديدة، كما حصل بالربيع العربي. وهي بالطبع غير آمنة و غير مضمونة النتائج، و تسبب ضحايا و خسائر لا نريدها.

 

على ضوء ما سبق، نرجع إلى السؤال الكبير المتمثّل في كيفية تقديم حلول عملية قابلة للتطبيق للخروج من النفق العربي الحالي. لو طُرح هذا السؤال قيل عقدين من الزمن لما استطعنا الإجابة عليه. و لكن الآن يجب أن ننتبه لحقيقية غاية في الأهمية، و هي تأثير انتشار الإنترنت و ثورة المعلومات و الفضاء الإفتراضي بكل امكاناته للتواصل اللحظي و الوصول لعقل و وجدان كل مواطن عربي! في عصرنا الرقمي الجديد ستحدث التغييرات  التاريخية بوتيرة أسرع و سيتأّثّر بها كل شخص في العالم العربي- سواء كان من أكثر الناس نفوذاً أو من أقلهم. وسيتمتع جيل العصر الرقمي الجديد بسلطة و بقوة و قدرة على المراوغة لم تتوفر لأي جيل سبقه من البشر . و سنتوقف عن وصف البدء بالمشاريع طويلة الأمد  بالقول "بأنها الخطوة الأولى في طريق الألف ميل". الطريق ستكون أقصر من ذلك بكثير لما للفضاء الافتراضي من إمكانات هائلة في سرعة إنبات و نمو، و إيصال الأفكار. في هذا العصر، يمكن ادارة شركة ضخمة متعددة الفروع بالكامل، و توجيه جميع موظفيها عن طريق موقع إلكتروني. و بالتالي يتوجّب علينا الإستفادة من الإمكانات الهامة للفضاء الإفتراضي لإحداث التغيير المطلوب و الإيجابي في العالم العربي. هذا هو المدخل للإجابة على السؤال الكبير الذي طُرح سابقا، و اعتماداً عليه تأتي  بقيّة الإجابة كما يلي:

  1. حبّذا لو اجتهد كل عربي من النخب الثقافية و السياسية و العلمية في بناء خطته العملية و القابلة للتطبيق  للخروج من المازق العربي، مهما كانت هذه الخطة متواضعة. بهذه الطريقة سيكون متوفراً الكثير من الخطط العملية المختلفة التي ستتكامل مع بعضها البعض، أو سيتم تعديل و تطوير بعضها و دمجها لتتشكل خطط رئيسية تكوّن أطر للعمل المنهجي المتكامل.
  2. يجب أن نتوقف عن لوم أنظمة الحكم العربية! بل يجب أن نبحث عن التقصير في أنفسنا و نغيّر طريقة تفكيرنا و تعاملنا مع قضايانا المحورية و المصيرية. يجدر الإعتراف بأننا لو استمرّينا بطريقتنا السابقة بالإكتفاء بوصف و رثاء الحالة العربية- و كأنها عملية تفريغ للغضب- فلن يتغيّر الوضع لعشرات السنين القادمة!
  3. يتعيّن على النُّخب (العلمية و الثقافية و الإقتصادية) العربية أن لا تهتم فقط بمجدها و مصلحتها الشخصية، و كأنها بذلك تفعل واجبها في الحياة. ربما هذا يمثّل أحد أسباب تأخّر النهضة العربية الشاملة. و ينبغي الإقرار بأنّ مستقبل أجيالها و أجيال مختلف فئات الشعب العربي على المحك، و يجب الإعداد المتكامل له.
  4. معظم الشعب العربي و بكل مكوناته (رجالاً و نساءً، شباباً و شابات، و حتى الأطفال) ملهي- في الغالب- بمشاهدة التيك توك و اليوتيوب و غيرها من وسائل التواصل الإجتماعي. فيديوهات سطحية تحظى  بملايين المشاهدات في حين لا يهتم بندوات هامة تناقش قضاياه المصيرية ! و على سبيل المثال، لا الحصر، مركز الحوار العربي في واشنطن ‏[4] يقيم أسبوعياً ندوات مميّزة ، تناقش أهم القضايا المحورية العربية بصورة جديّة مع نخبة من الكفاءات العربية. من المفترض أن تحظى مخرجات هذة الندوات باهتمام كافة شرائح الشعب العربي، و مع ذلك يتابعه عدد أقل بكثير من الواجب، و لا يقارن بالاعداد المتابعة للمخرجات الغير مفيدة، بل و المضرّة في الغالب لوسائل التواصل الإجتماعي. الواجب-إذن- على النُّخب المختصة أن تدرس الأسباب التي أدّت لذلك بصورة علمية، و أن تضع الحلول العملية لمواجهة هذا الإنحدار بطريقة منهجيّة. 

 

الخطوات العملية

كل ما ذُكر سابقا لا يخرج عن الوصف المكرّر و المعروف  للحالة العربية، و حتى لا ننهى عن فعل و نأتي بمثله، سنعرض فيما يلي مثالاً لخطة عملية و منهجيّة (مدتها 15 عاماً)- نزعم أنّها يمكن أن تشكّل إطاراً متكاملاً للعمل، يطرق باب كل مثقّف عربي- و تأتي من منطلق علمي واقعي لغدٍ عربي أفضل.مبادرة "الوطن العربي الإفتراضي" ‏[5] و التي تمثّل خياراً آمناً  للتغيير الإيجابي، يسعى للتكامل مع المسارات الأخرى نحو الغاية المشتركة.

  • المبادرة لها هدفين مركزيّين: الأول مرحلي وهو بناء الوطن العربي الموحّد في عقول أبنائه ،على أمل تجسيده كواقع على الأرض ، و الثاني مستمر و مُتجدّد يتمثّل في النموذج المستقبلي للوطن العربي في العالم الكلّي (بفرعيه الحقيقي و الإفتراضي).
  • النموذج المستقبلي للوطن العربي في العالم الحقيقي تمّ إيجاز بعض أهم أساسياته في ‏[6] ،أمّا النموذج المستقبلي في العالم الإفتراضي فيمثّل تحدياً اضافياً، يفرضه العصر الرقمي الجديد بكل جوانبه الإيجابية و السلبية، و تمّ إلقاء الضوء على بعض أهم بنوده في ‏[7].
  • المبادرة تمثّل مساراً عملياً مبنيّاً على مراحل للتنفيذ مع جدول زمني، و تستفيد من مميزات الفضاء الافتراضي لتوحيد العالم العربي على أُسسٍ علمية و منهجية. مخاطبةً اللّبنة الأولى في الكيان العربي، و هي الإنسان العربي نفسه، ترتكز المبادرة على أساسين رمزييّن (العَلَم و بطاقة الهوية -المحتوية على الرقم القومي العربي) و على قاعدة دستورية (الدستور الإفتراضي ) و على خمس برامج عملية، ثلاثة منها تتعامل مع الحاضر (برنامج الإقناع المبني على الحقائق الملموسة، نظام المحاكاة الذكية لولايات الوطن العربي، و وحدة جمع و نشر النتائج) و اثنان يحضّران للمستقبل (التحوّل المنهجي و السلس نحو الاتحاد الفيدرالي، و النموذج المستقبلي للوطن العربي الكلّي- بفرعيه الحقيقي و الإفتراضي). و المبادرة تستهدف القاعدة الصلبة التي تقف عليها أعمدة التفرّق و الإنقسام العربي و التي تتمثّل في أمرين أولهما غياب- أو تغييب- الوعي الكامل عند الإنسان العربي بالحقائق الجيوسياسية للوطن العربي، و ثانيهما الإحباط  المتراكم عند المواطن العربي بسبب فشل محاولات سابقة و متسرعة للوحدة العربية، حتى أصابه كثير من اليأس من امكانية تحقيقها!
  • الهدف الأساسي التي تقوم عليه المبادرة،إذن، هي معالجة هذين الأمرين -عبر مخاطبة العقل الجمعي العربي بواسطة "برنامج الإقناع" من خلال كشف و بيان الحقائق الخاصة بالوضع العربي من كل الجوانب و بشكل علمي منهجي و ملموس، تُثبت الحاجة البديهية و الملحة لوجود الكيان العربي الموحّد بشكل عقلاني. و كذلك إنتشال عقل الإنسان العربي من حالة الإحباط  عبر الدعوة- و الحثّ- الى التفكير، حيث أن مجرد بدء المرء في التفكير الجدي في مشكلة ما، هو أول الطريق الصحيح و الآمن للوصول الى التغيير الإيجابي.
  • المبادرة تهتم ببناء الوطن العربي الموحّد في عقول أبنائه أولاً (الشعب و الأنظمة الرسمية على حدٍ سواء )، معتبرةً أن البناء في العقول يمثل أقوى و أكثر الأبنية ثباتا و استقراراً ، و بالتالي ستضعف تدريجيا القاعدة الصلبة التي تقف عليها أعمدة التفرّق و الإنقسام العربي، و ستصبح رخوة، و ما تلبث أن تبدأ هذة الأعمدة بالسقوط بصورة ذاتية! و ستنهار تدريجياً كل ركائز و شواهد الإنقسام العربي، و حينها سيتجه الشعب العربي بصورة طوعية و حضارية (هو من يقرر توقيتها و كيفيّتها بالتوافق و الإقتناع العقلي مع الأنظمة الرسمية [2]، كخيارٍ آمنٍ دون أي مظهر من مظاهر الصدام) لتجسيد و تطبيق الإتحاد فعلياً على الأرض.

مراجع

  1. صبحي غندور. "من حلم التوحد العربي إلى كابوس الأنشطار" 21-02-2023 https://mail.google.com/mail/u/1/#inbox/FMfcgzGrcjQCrvMQjqQMScDVGbxZQQSD
  2. طلال أبو غزالة      "وطني حبيبي.. الوطن الأكبر"22 01 2023

https://www.tag.global/UploadFiles/Articles/watani.pdf

  1. حسن نافعة "دور عربي يبحث عن بطل "   10-01-2023

https://www.ardd-jo.org/ar/Blogs/an-arab-role-looking-for-a-hero

  1.  http://www.alhewar.com
  2. http://virtualarabwatan.com
  3. أنور موسى "الوطن العربي الإفتراضي.. نحو نهضة عربية شاملة" http://virtualarabwatan.com/#/blog/16
  4. أنور موسى " العصر الرقمي الجديد و العالم العربي.. نظرة مستقبلية ، و ناقوس خطر" http://virtualarabwatan.com/#/blog/18


 

[1] العالم العربي يُعد أكبر مورّد للهجرة غير الشرعية وللاجئين في العالم!

 

[2] الأنظمة الرسمية على قدرٍ من الدّراية و الذكاء يسمح لها بالإستنتاج أنّ الوضع العربي لا يمكن أن يستمر بشكله الحالي في العصر الحديث، و تعرف أنّه من مصلحتها و مصلحة شعبها أن تجاري التطورات المتسارعة في العالم الكلّي (الحقيقي و الإفتراضي).  و كونها- بالطبع- جزءاً من الشعب العربي، و تعرف أنَ التغيير حتمي، فمن المنطق أن يكون بالتوافق و التنسيق التام مع رغبة الشعب ، و الاّ مزيدٌ من التشتت و الإندثار- لا سمح الله تعالى.