د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

المجتمع الدولي يكيل بمكيالين (2)

دأب نظام الملالي على الإعتماد على التهاون الدولي فيما يتعلق بجرائمه والتغاضي عنها حتى ولو كانت انتهاكات تتعلق بصميم الشرعية الدولية، وقد حكم هذا النظام الشعب الإيراني بكافة فئاته ومكوناته بالحديد والنار والقمع الدموي وجرائم الإبادة الجماعية بحق عشرات الآلاف من السجناء السياسيين من خصوم الرأي في إيران كمجزرة الإبادة الجماعية سنة 1988، وكذلك جرائم حصار قاتل، وجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية بحق معارضيه داخل إيران وخارجها كما في العراق في مخيمي أشرف وليبرتي أمام مرأى ومسمع مؤسسات المجتمع الدولي، ومن تعهدوا رسميا بالحماية شرط الإنتقال من أشرف إلى ليبرتي، وفي ظل هذا التهاون والإسترضاء الدولي مع ملالي طهران أمِنوا الحساب والعقاب فتمادوا في جرائمهم.، وكما يقولون (من أمِنَ العِقابَ أساء الأدب)، وكيل المجتمع الدولي بمكيالين مع نظام الملالي وغيره يدعو إلى الإبداع في الإجرام ومختلف الإنتهاكات وإساءة الأدب.

الاعتقالات

السجون في إيران أكثر من دور الرعاية الإجتماعية، وقد تصل حالات الموت التعسفي إلى مستوىً أعلى من مستويات أما الحياة السياسية الإيرانية فقد سادها من العنف والبطش والإرهاب ما لم تشهده دول أخرى بالمنطقة من الحبس والاعتقال لفترات طويلة دون وجه حق أو تهمٍ صحيحة بالإضافة إلى الإعتقالات التعسفية التي تعرضت لها المعارضة السياسية، وأما القضاء الإيراني فهو وسيلة من وسائل إبقاء نظام الملالي على سدة الحكم في إيران.

ولعدم إنصياع النظام الإيراني للمواثيق والأعراف الدولية وعدم خضوع سجونه لمراقبة منظمات حقوق الإنسان المحلية أو الدولية لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد المعتقلين السياسيين؛ لأن معظم السجون الإيرانية، والأنكى من ذلك هو أن أجهزة الأمن الإيرانية قد دأبت على ارتهان ذوي السياسيين الهاربين من البطش لممارسة المزيد من الضغط عليهم لتسليم أنفسهم، ولم يسلم هؤلاء الأهالي من الإهانة والتنكيل، والتعذيب الجسدي والنفسي.

وبهذا الصدد تقدم السيناتور الأمريكي روبرت مينينديز رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بمشروع قرار لإدانة اعتقال النساء سياسياً في إيران والمطالبة بالإفراج الفوري عن السجينات السياسيات ومنحهن الحق في حرية التعبير عن آرائهن. 

الإبعاد والنفي

تستخدم الحكومة الإيرانية منهج الإبادة ضد معارضيها لكنها في العادة لا تحتاج إلى نفي معارضيها السياسيين إلى خارج البلاد لأنهم أي المعارضين يستبقونها في هذه الخطوة اختيارياً قبل أن تصل رؤوسهم إلة مقاصل الإعدامات أو تتعفن أجسادهم في سجون النظام البغيضة، وكل من رحل منهم خارج البلاد يفضلون عدم العودة مرة أخرى حرصا على حياتهم، كما أن الكثير من الإيرانيين حتى من غير السياسيين المقيمين في الخارج لا يرغبون في العودة إلى إيران في ظل وجود نظام الملالي حرصا على حياتهم وكرامتهم وحريتهم.

ما مبدأ النفي فيعم به نظام الملالي داخليا حيث يقوم بنفي العديد من السجناء السياسيين ومنهم نساء وأشخاص مسنين إلى أماكن بعيدة عن سكناهم ووجود ذويهم بحيث يصعب زيارتهم وتصعب الحياة عليهم في السجون حيث يحتاج السجين إلى أكل وأدوية وملابس واحتياجات كثيرة لا تلبيها السلطات الإيرانية ولا تسمح أيضاً لمتبرعين بتقديمها، كما لا تسمح لهم في كثير من الأحيان باللقاء مع ذويهم.

أما المعارضين بالخارج فلم يسلموا من بطش النظام وإرهابه وتتحدث تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان عن ملاحقات أمنية لهذه العناصر النشطة التي تعيش في الخارج واغتيال بعضهم كالدكتور كاظم رجوي والدكتور عبدالرحمن قاسملو وغيرهم، ومحاولة تفجير مؤتمرات المقاومة الإيرانية والتجسس عليها وزرع الفتن هنا وهناك.   

النظام القضائي

النظام القضائي الإيراني نظام غير مستقل وخاضع ينحصر بيد خامنئي وجنوده، ويرجعون الكثير من انتهاكات حقوق الإنسان إلى الأحكام الصادرة عن محاكم الثورة التي يسيطر عليها ملالي ولاية الفقيه، ويوجد نوعان من المحاكم في إيران منها المحاكم التقليدية المختصة بقضايا الجنح والجنايات، وما تسمى بمحاكم الثورة تأسست بعد سنة 1979 وتتعامل مع القضايا السياسية والتعسفية وتفتقر إلى مبدأ العدالة ولا يتمكن المتهم أمامها من الاستئناف أمام دوائر قضائية أعلى، وتهال عليه تهماً فضفاضةً لا أساس لها من الصحة ومثيرة للسخرية. 

قمع التحركات الطلابية

تعتبر شريحة الطلاب في الكثير من المجتمعات هي النخبة الحرة المثقفة المحركة للرأي العام، وقد اتخذ الطلاب الإيرانيون من المظاهرات وسيلة للتعبير عن مطالبهم وانتقاداتهم، إلا أن الحكومة الإيرانية قمعت وتقمع تلك المظاهرات بعنف ودموية، واختطاف وقتل وتعذيب وتنكيل في السجون، وحرمان من التعليم وعقوبات أخرى تعسفية، ولم يتوقف الأمر عند اعتقال القيادات الطلابية النشطة من داخل الحرم الجامعي ولكنه وصل إلى الاعتقال والإختطاف وهم نائمون في سكنهم الجامعي، والإختفاء القسري.

تسميم الطالبات في إيران

أفادت تقارير بتعرّض اللآلاف من الطالبات في مئات المدارس للتسميم جراء هجمات كيميائية بالغاز السام موجهة ضد مدارس البنات في إيران خلال الأشهرالماضية وحتى الآن لا سيّما في مدينة قم، وأكثرية المحافظات الإيرانيات، فمنذ عدة أشهر تتواصل عملية تسجيل المئات حالات التسمّم التي أصيبت بها طالباتٍ ظهرت عليهن أعراض ضيق في التنفس وغثيان وفقدان للوعي من جرّاء روائح "كريهة" ومصادر كيميائية  "غير معروفة"، ما استدعى نقل الأغلبية منهنّ إلى المستشفيات.

أثار هذا الأمر مخاوف لدى أهالٍ حضّوا السلطات على التحرّك،  وأشار مساعد وزير التعليم يونس بناهي إلى أن حالات التسمم ترمي إلى حرمان الفتيات من التعلّيم.

ردود فعل عالمية على قضية تسميم طالبات المدارس 

دعا نواب في البرلمان الأوروبي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق مستقل في موجة تسميم الطالبات في إيران.

وأفادت وسائل إعلام حكومية ومسؤولون في إيران بأن 13 ألف من طلاب المدارس معظمهم من الفتيات أصيبوا بإعياء بعد ما يعتقد أنها عمليات تسميم. 

وأدان البرلمان الأوروبي هذه المحاولة الشنيعة لإسكات النساء والفتيات في إيران، كما حث الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي على تسهيل إصدار التأشيرات ومنح اللجوء والمنح الطارئة لأولئك الذين يحتاجون إلى مغادرة إيران وخاصة النساء والفتيات. 

 أمريكا تطالب بتحقيق أممي

قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيار: "إذا كانت عمليات التسميم هذه على صلة بالمشاركة في الاحتجاجات عندها يكون التحقيق فيها من ضمن صلاحيات بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لـ تقصّي الحقائق في إيران"، ودعت إلى ضرورة وجود تحقيق مستقلٍّ ذي مصداقية وأن يُعاقَب المسؤولون عن تلك الجرائم". 

إن كثيراً مما حدث في إيران يقع تحت بند جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، كما تعتبر قضايا التسلح والتدخل في شؤون الغير مخالفة صارخة للقوانين والإتفاقيات الدولية وفقاً لمعايير مؤسسات هذا العالم التي لا تزال تكيل بمكيالين اليوم على الملأ.

د.سامي خاطر / أكاديمي وأستاذ جامعي