د. نبراس المعموري تكتب:
تحصينات إيرانية متسارعة.. استعداد دفاعي أم رسائل ردع في زمن التوتر؟
في الآونة الأخيرة، تناولت وسائل إعلام وتقارير إخبارية صوراً حديثة للأقمار الصناعية تظهر نشاطاً واضحاً لإيران في تحصين وتعزيز مواقعها العسكرية والنووية، مع تغييرات ملموسة في عدة مواقع حساسة، وسط تزايد التوترات مع الولايات المتحدة وإسرائيل ، ما زاد من تكهنات احتمال نشوب مواجهة عسكرية في المنطقة.
ولعل من أبرز تلك الأنشطة تحصين وترميم المنشآت بعد إقامة “دروع خرسانية” فوق منشآت عسكرية حساسة، بحيث تغطي البنية الأساسية بطبقات من الخرسانة والتربة، في محاولة لتقليل آثار الضربات الجوية المحتملة على هذه المواقع. إضافة إلى ذلك، جرى دفن مداخل الأنفاق وتغطيتها بالتراب في بعض المواقع النووية، مثل مداخل الأنفاق في مجمع أصفهان النووي، ما يقلل من وضوحها على صور الأقمار الصناعية ويجعل الاستهداف أصعب. يرافق ذلك إصلاح قواعد الصواريخ والبنى التحتية في قواعد عسكرية تعرضت سابقاً لاضطرابات أو هجمات، مثل قواعد الصواريخ في شيراز وقم.
لماذا تقوم إيران بهذه التحصينات؟
التحركات المذكورة في الصور لم تحدث من فراغ، بل تزامنت مع توترات متصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، إضافة إلى استمرار الخلافات مع إسرائيل حول البرنامج النووي الإيراني. وهذا ما دفع طهران إلى تعزيز حماية بنيتها الحساسة من ضربات جوية أو هجمات مفاجئة، خاصة في ظل تهديدات عسكرية محتملة في حال فشل المسارات الدبلوماسية. كذلك لا يمكن فصل هذه الخطوات عن التنافس الإقليمي الحاد؛ فكلما ازداد الضغط الدولي بشأن برنامج إيران النووي، تكثفت محاولات تعزيز المواقع الاستراتيجية وإبعادها عن نطاق التدمير المباشر. ولا يمكن أيضًا إغفال عامل الوقت، إذ تسعى طهران إلى إعادة بناء ما تضرر سابقاً، بما يعزز قدرتها الدفاعية والصمود أمام الضغوط العسكرية والسياسية.
تجارب وحالات مشابهة
ليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها دولة إلى تحصين منشآتها الاستراتيجية في ظل تصاعد التوترات مثل حالة المفاعل النووي العراقي في الثمانينيات حيث سعى العراق قبل قصف مفاعل مفاعل أوزيراك عام 1981 من قبل إسرائيل، إلى تأمين منشآته النووية، في سياق صراع إقليمي محتدم، إلا أن التحصينات لم تمنع تنفيذ الضربة ، كذلك ما قامت به كوريا الشمالية عندما اعتمدت منشآت تحت الأرض وأنفاق عميقة لحماية بنيتها النووية والعسكرية من أي هجوم محتمل، في ظل توتر دائم مع الولايات المتحدة وحلفائها. كما لا يمكن تجاهل التحصينات خلال الحرب الباردة حيث أسس كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة منشآت صاروخية وملاجئ نووية محصنة تحت الأرض، تحسباً لأي ضربة نووية مفاجئة، في إطار سياسة الردع المتبادل.
ان هذه الأمثلة تظهر أن التحصين لا يعني بالضرورة نية هجومية، بل غالباً ما يكون جزءًا من استراتيجية ردع دفاعية تهدف إلى رفع كلفة أي هجوم محتمل.
ماذا تعني هذه التحصينات في السياق الدولي؟
الصور والأعمال التحصينية التي رصدتها الأقمار الصناعية تعكس حالة من التأهب العسكري والقلق الاستراتيجي في إحدى أكثر مناطق العالم توتراً. ورغم أن التحصينات لا تعني بالضرورة الاستعداد لبدء حرب، فإنها تشير إلى إدراك السلطات الإيرانية لوجود خطر عسكري محتمل على منشآتها الحساسة، وإلى محاولة تقليل أثر أي ضربة جوية محتملة على برامجها العسكرية والنووية.
كما تعكس هذه التطورات استمرار الخلافات الدولية حول الملف النووي الإيراني، وتعثر الحلول الدبلوماسية حتى الآن، ما يجعل المنطقة في حالة ترقب دائم بين مسارين: التصعيد أو الاحتواء.
ختاما.. توفر صور الأقمار الصناعية نافذة دقيقة لفهم التحولات الجارية على الأرض في أوقات التوتر. وفي الحالة الإيرانية، تكشف هذه الصور عن جهد واضح لتعزيز الدفاعات وتقوية البنية التحتية الحساسة. وبينما لا تشكل هذه التحركات دليلًا قاطعًا على اقتراب حرب، فإنها تعكس بيئة إقليمية مضطربة تتداخل فيها حسابات الردع، والسياسة، والأمن القومي.
وتبقى التحصينات رسالة مزدوجة: استعداد دفاعي من جهة، ورسالة ردع موجهة إلى الخصوم من جهة أخرى، في مشهد دولي لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة.


