د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

إيران بين فشل الاسترضاء وانسداد الحرب وصعود البديل

في سياق إقليمي ودولي متوتر، يكتسب مؤتمر "إيران: منعطف تاريخي، دعم الحكومة المؤقتة التابعة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية" أهمية تتجاوز كونه فعالية سياسية، ليغدو مؤشراً على تحوّل نوعي في مقاربة الملف الإيراني.  الكلمة التي ألقاها رئيس وزراء آيسلندا الأسبق، جير هارد، لم تكن مجرد مداخلة تضامنية، بل قراءة استراتيجية تُفكك إخفاقات العقود الماضية وتطرح بوضوح خياراً ثالثاً بين سياسة الاسترضاء العقيمة ورهانات التدخل العسكري الفاشلة.

يشير هارد إلى حقيقة باتت راسخة في أدبيات السياسة الدولية: أن الأنظمة الأيديولوجية التوسعية لا تستجيب للتهدئة، بل تفسّرها كإشارة ضعف. خلال ما يقارب نصف قرن، أسهمت سياسات الاحتواء الغربية في تعزيز بنية النظام الإيراني بدلاً من تقييده، حيث استثمر النظام في توسيع نفوذه الإقليمي وتكريس أدوات القمع الداخلي. هذه النتيجة لا تعكس سوء تقدير تكتيكي فحسب، بل خللاً بنيوياً في فهم طبيعة النظام القائم على ولاية الفقيه، والذي يرى في التنازل الخارجي فرصة لإعادة التموضع لا مدخلاً للإصلاح.

في المقابل، يرفض هارد الرهان على التدخل العسكري، مستحضراً دروس التسعينيات وعام 2003، حيث أظهرت التجارب أن القوة الصلبة قد تُسقط مؤسسات الدولة لكنها لا تُنتج شرعية بديلة.  في الحالة الإيرانية، يتعاظم هذا الخطر، إذ يواجه العالم نظاماً ثيوقراطياً مستعداً لتفكيك الدولة ذاتها للحفاظ على بقائه.  وعليه، فإن أي تدخل خارجي قد يفتح الباب أمام فوضى ممتدة، دون ضمان تحقيق انتقال سياسي مستدام، ما يعيد إنتاج الأزمة بأشكال أكثر تعقيداً.

ضمن هذا الانسداد، يبرز طرح مريم رجوي بوصفه إطاراً تحليلياً وعملياً في آن واحد. فوفق رؤيتها، لا يمكن حل الأزمة عبر الخارج، بل عبر تفاعل داخلي تقوده مقاومة منظمة تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً. وهنا يكتسب إعلان حكومة مؤقتة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية دلالة استراتيجية، إذ يقدّم تصوراً مؤسسياً لمرحلة ما بعد النظام، مبنياً على خطة النقاط العشر التي تؤكد على فصل الدين عن الدولة، واحترام التعددية، ورفض كل من النموذج البهلوي واستمرارية حكم الملالي.

رغم وضوح هذا الطرح، يسلّط هارد الضوء على مفارقة لافتة: وجود بديل سياسي مُنظّم يقابله تجاهل دولي وإعلامي ممنهج.  هذا التجاهل، الذي يشمل مؤسسات إعلامية كبرى مثل سي إن إن وبي بي سي، لا يمكن تفسيره فقط بعوامل مهنية، بل يعكس تردداً سياسياً في إعادة تعريف الشريك المحتمل في إيران المستقبل.  غير أن استمرار هذا التردد يترتب عليه كلفة استراتيجية، إذ يطيل عمر الأزمة ويُبقي المجتمع الدولي في موقع رد الفعل بدلاً من المبادرة.

من أبرز ما طرحه هارد هو الانتقال من التساؤل حول إمكانية سقوط النظام إلى توقيت هذا السقوط.  هذه المقاربة تعكس قراءة تستند إلى تآكل الشرعية الداخلية للنظام وتزايد الاحتجاجات، مقابل تصاعد دور الشبكات المنظمة للمقاومة. في هذا السياق، يصبح الاعتراف بالحكومة المؤقتة ليس مجرد خطوة رمزية، بل أداة لإعادة تشكيل ميزان القوى السياسي، من خلال منح الشرعية لبديل قادر على إدارة المرحلة الانتقالية.

تُبرز هذه المعطيات أن الأزمة الإيرانية لم تعد تعاني من غياب الخيارات، بل من غياب الإرادة السياسية للاعتراف بالخيار القائم.  إن الإصرار على ثنائية الاسترضاء أو الحرب لم يعد قابلاً للاستدامة، في ظل توافر بديل يستند إلى مشروع سياسي واضح وقاعدة تنظيمية فاعلة .  وبناءً عليه، فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي لا يكمن في تشخيص الأزمة، بل في اتخاذ قرار استراتيجي بالانحياز إلى  مسار التغيير الداخلي، وهو ما يتطلب تجاوز الحسابات قصيرة المدى والانخراط في دعم تحول ديمقراطي طال انتظاره.