حسن محمودي يكتب لـ(اليوم الثامن):

إيران من الداخل: الشعب ووحدات المقاومة يصنعون معادلة التغيير

من أبرز الرسائل التي خرجت من مؤتمر «إيران حرة 2026» في باريس أن مستقبل إيران لن تحدده التدخلات العسكرية، ولا الصفقات الدبلوماسية مع نظام ولاية الفقيه، بل سيصنعه الشعب الإيراني نفسه، عبر احتجاجاته، ووحدات المقاومة، وشبكات النضال السياسي والاجتماعي التي تعمل داخل البلاد وخارجها.

هذه الرسالة لم تأتِ كشعار عابر، بل تكررت بوضوح في كلمات شخصيات سياسية وبرلمانية ووزراء سابقين من أوروبا وأميركا الشمالية. فقد شدد المتحدثون على أن القوة الحقيقية للتغيير الديمقراطي في إيران تكمن في المجتمع الإيراني نفسه؛ في الشباب الذين يواجهون القمع، وفي النساء اللواتي تقدمن الصفوف، وفي السجناء السياسيين الذين يرفضون الانكسار، وفي وحدات المقاومة التي تواصل نشاطها رغم خطر الاعتقال والإعدام.

وبخلاف النظرة التي تحصر الإيرانيين في صورة الضحايا الصامتين، قدم المؤتمر صورة أخرى: شعب فاعل، منظم، وواعٍ، يخوض معركة طويلة ضد نظام بنى بقاءه على الإعدام والتعذيب والاعتقال والتضليل. لذلك لم يكن النقاش يدور حول «من ينقذ إيران من الخارج»، بل حول كيفية الاعتراف بقوة الداخل ودعمها سياسياً وأخلاقياً.


قال بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، إن العمليات العسكرية الأخيرة أظهرت درساً أساسياً: الحرية لا يمكن أن تُمنح من الخارج. وأضاف بوضوح: «التغيير يجب أن يأتي من الداخل، وسيأتي من الداخل». ورأى جونسون أن المجتمع الإيراني شاب ومتعلم ومصمم بصورة متزايدة على اختيار مستقبل مختلف، مقارناً الحركة الإيرانية الراهنة بالانتفاضات الشعبية التي ساهمت في إسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية.

ومن زاوية مشابهة، اعتبر شارل ميشيل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، أن المواجهة العسكرية وسياسة المساومة فشلتا معاً في معالجة جذور الأزمة السياسية في إيران. فالبديل الحقيقي، بحسب رؤيته، لا يكمن في الحرب ولا في الاسترضاء، بل في مقاومة ديمقراطية قادرة على تمكين الشعب الإيراني في مواجهة الاستبداد.

وحدات المقاومة في خط المواجهة

حظيت وحدات المقاومة بمكانة محورية في كلمات عدد من المشاركين. فهذه الشبكات الصغيرة من الناشطين داخل إيران تواصل عملها في ظروف بالغة الخطورة، حيث يمكن أن يؤدي النشاط السياسي أو الاحتجاجي إلى الاعتقال أو أحكام ثقيلة أو الإعدام. ومع ذلك، أكد المتحدثون أن استمرار هذه الوحدات دليل على أن مطلب الحرية لم يُقمع، وأن جذوة المقاومة ما زالت حية في المدن الإيرانية.

وأشاد شارل ميشيل بإصرار هذه الوحدات على التنظيم رغم القمع، معتبراً أن وجودها يكشف بوضوح أن المجتمع الإيراني لم يستسلم. كما أشارت البرلمانية الكندية جودي سغرو إلى استمرار نشاطات المقاومة بعد انتفاضة يناير 2026، مؤكدة أن معاملة النظام القاسية للسجناء السياسيين تعكس خوفه من المعارضة المنظمة، لا قوته.

أما جون بيرد، وزير الخارجية الكندي السابق، فذهب إلى أبعد من ذلك، حين قال إن الشرعية السياسية الموجودة في شوارع إيران، وفي المقاومة المنظمة، تفوق شرعية المؤسسة الدينية الحاكمة أو أي قريب للديكتاتور السابق. وهذه العبارة تختصر جوهر الموقف: الشرعية لا تأتي من العمامة ولا من التاج، بل من الشعب الذي يدفع ثمن الحرية.

وتوقف عدد من المتحدثين عند أشرف 3 في ألبانيا، حيث يقيم أعضاء من المعارضة الإيرانية. فقد وصف روبرت توريشيلي أشرف 3 بأنها رمز للصمود في أحلك مراحل التاريخ الإيراني الحديث، مؤكداً أن الأجيال القادمة ستتذكر أولئك الذين رفضوا المساومة حين بدا الأمل بعيداً. كما أشاد كارستن مولر، الذي زار أشرف 3 مؤخراً، بصلابة الحركة وقدرتها على البقاء رغم محاولات الإبادة السياسية والمعنوية.

وفي المؤتمر، لم تكن أشرف 3 مجرد عنوان لمنفى سياسي، بل رمزاً لاستمرارية مقاومة لم تنكسر رغم عقود من القمع. فقد أشار عدد من المشاركين إلى أن منظمة مجاهدي خلق دفعت خلال ستة عقود ثمناً باهظاً، وأن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية أثبت على مدى أكثر من أربعين عاماً قدرة نادرة على الصمود في وجه نظام يراهن دائماً على سحق أي بديل منظم.

وكان حضور المرأة في خطاب المؤتمر لافتاً. فقد تحدثت نايكي غروبيوني عن نساء إيران اللواتي حوّلن الألم إلى قوة والخوف إلى شجاعة، فيما وصفت جودي سغرو النساء بأنهن من قائدات الحركة الاحتجاجية الراهنة. ولم يكن الحديث عن المرأة رمزياً فقط، بل بوصفها ركناً أساسياً في البديل الديمقراطي المطروح لإيران المستقبل. فالمشاركة الواسعة للنساء في الاحتجاجات ووحدات المقاومة والقيادة السياسية تعطي هذه الحركة طابعاً مختلفاً عن كثير من الصراعات السياسية في المنطقة.

الخلاصة المركزية التي بدت واضحة في مؤتمر «إيران حرة 2026» هي أن الإيرانيين لا ينتظرون من الآخرين أن يمنحوهم الحرية. من طهران إلى المدن الأخرى، ومن السجون إلى شبكات المقاومة السرية، ومن أشرف 3 إلى الجاليات الإيرانية في الخارج، هناك أسس واقعية لحركة تغيير تقودها قوى منظمة ومجتمع لم يفقد إرادته.

أما دور المجتمع الدولي، كما شدد المتحدثون، فليس فرض مستقبل على إيران، بل الاعتراف بتطلعات الشعب الإيراني الديمقراطية ودعم من يخاطرون بحياتهم من أجلها. وكما قال دميترو كوليبا، وزير الخارجية الأوكراني السابق، فإن الأنظمة الاستبدادية قد تمتلك السلاح والسجون وآلات الدعاية، لكن التاريخ يثبت أن الشعوب المصممة قادرة على الصمود أكثر منها.

هكذا برزت الرسالة الأعمق للمؤتمر: التغيير في إيران ليس وهماً ولا مشروعاً خارجياً، بل مسار داخلي تقوده مقاومة منظمة وشعب يرفض الاستبداد. وما دام هذا الشعب قادراً على التنظيم والتحدي ودفع الثمن، فإن مستقبل إيران لن يبقى رهينة الملالي ولا أوهام العودة إلى الماضي، بل سيكون أقرب إلى جمهورية ديمقراطية يصنعها الإيرانيون بإرادتهم.

ومن هنا، فإن السؤال لم يعد من سيغيّر إيران من الخارج، بل متى ستجد هذه القوة الداخلية الاعتراف والدعم اللذين تستحقهما، بوصفها الطرف الأصيل في معركة الحرية ومستقبل البلاد.