نظام مير محمدي يكتب لـ(اليوم الثامن):
مسرحية التشييع بطهران.. عروض جوفاء أمام ساعة الحساب
هناك حقيقة لم ينجح أي نظام استبدادي في القفز فوقها، وهي أن التاريخ قد يتأخر في فتح دفاتره، لكنه لا ينسى، وحين يحين موعد الحساب، فإنه لا يقبل التقسيط ولا المساومة. والنظام الإيراني، الذي اعتقد طوال أكثر من أربعة عقود أن بإمكانه الإفلات من نتائج سياساتها بالقمع والإرهاب وتصدير الأزمات، يجد نفسه اليوم أمام حسابات لم يعد قادراً على تأجيلها.
لقد قامت فلسفة هذا النظام منذ يومه الأول على محاربة الحرية، لأنه أدرك أن الإنسان الحر هو العدو الأخطر لأي سلطة استبدادية. ولذلك لم يكتف بمصادرة الحقوق السياسية، بل سعى إلى إعادة تشكيل وعي المجتمع الإيراني، وإحلال ثقافة الخوف والطاعة محل ثقافة الكرامة والاختيار. غير أن هذا المشروع اصطدم بحقيقة لم يستوعبها النظام قط، وهي أن الشعب الذي أسقط دكتاتورية الشاه لا يمكن أن يقبل بدكتاتورية أشد قسوة تتستر بعباءة الدين. فالتجارب القاسية لا تصنع الشعوب المستسلمة، بل تصنع شعوباً أكثر تصميماً على إسقاط جلاديها.
وبالتوازي مع حربه على الداخل، اندفع النظام إلى بناء مشروع توسعي قائم على الميليشيات والوكلاء، متوهماً أن نفوذه خارج الحدود سيمنحه حصانة داخلها. فأنفق المليارات على صناعة أذرع مسلحة في عدد من بلدان المنطقة، غير آبه بإرادة شعوبها ولا بمعاناة الإيرانيين الذين كانوا يرزحون تحت وطأة الفقر والعقوبات والانهيار الاقتصادي. وهكذا، لم يعد النظام يصادر مستقبل الإيرانيين فحسب، بل أخذ يصادر أيضاً حق شعوب المنطقة في بناء دولها بعيداً عن الوصاية والتدخل.
غير أن أكبر خطأ ارتكبه هذا النظام كان اعتقاده أن الإرهاب قادر على إنهاء فكرة المقاومة. فمنذ الأيام الأولى لحكمه، وضع منظمة مجاهدي خلق في مقدمة أهدافه، لأنها مثلت البديل السياسي الأكثر تنظيماً وإصراراً على إسقاط ولاية الفقيه. ولأن الأنظمة الضعيفة تخشى أصحاب المواقف أكثر مما تخشى السلاح، فقد شن ضدها حرباً دموية بلغت ذروتها في مجزرة صيف عام 1988، عندما أعدم أكثر من ثلاثين ألف سجين سياسي، في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في التاريخ المعاصر. لكنه، رغم كل ذلك، فشل في تحقيق هدفه، وبقيت المقاومة حاضرة، فيما أخذ النظام يفقد، عاماً بعد آخر، ما كان يعتقد أنه عناصر قوته.
وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح تام في هذه الأيام؛ فبينما يمر النظام بمرحلة من الغموض والارتباك الكبيرين، فإنه يحاول استغلال مراسم تشييع علي خامنئي كمنصة لاستعراض القوة والإيحاء بالاستقرار والتماسك، لكن التقارير الدولية الحية من قلب طهران فضحت هذا الزيف الهيكلي. وفي هذا الصدد، أكد مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" من العاصمة الإيرانية أن مظاهر البهرجة والبروتوكولات الرسمية للجنازة لم تفلح في حجب واقع يعج بالاضطراب، حيث تستمر الحياة اليومية للمواطنين تحت وطأة الأزمات المعيشية وانقطاع الكهرباء والمياه. كما أشار التقرير إلى الرقابة الصارمة والقيود المفروضة على وسائل الإعلام الأجنبية لمنعها من نقل الحقيقة، وتحدث عن الخوف السائد بين المواطنين من عواقب التعبير عما في قلوبهم. وفي ذات السياق، كشف تقرير لشبكة "سي إن إن" تحت عنوان "ليس كل الإيرانيين يشاركون في عزاء خامنئي" عن امتناع شريحة واسعة من سكان طهران عن الانخراط في هذه الحشود خوفاً وزهداً بالنظام؛ حيث نقلت الشبكة عن مواطنين قولهم إن إغلاق العاصمة من أجل "شخص دمر حياتهم" يثير الغضب، مؤكدين أن موت خامنئي لم يغير من واقع الأمر شيئاً، وأن الأرقام التي يروجها الإعلام الحكومي مبالغ فيها بشكل صارخ مقارنة بالأموال الطائلة التي أُنفقت هندسياً لتنظيم هذا العرض البائس.
إن ما يواجهه النظام اليوم ليس أزمة عابرة، ولا مجرد ضغوط سياسية أو اقتصادية، بل حصيلة طبيعية لمسار طويل من القمع والتوسع والكذب والخداع. فالأنظمة التي تصادر حرية شعوبها، وتبني نفوذها على الدم والخراب، لا تهزمها المؤامرات، وإنما تهزمها النتائج الحتمية لسياساتها.
لقد أنفق النظام سنوات طويلة وهو يعتقد أن بإمكانه تأجيل ساعة الحساب، لكنه اكتشف متأخراً أن التاريخ لا يسقط الحقوق بالتقادم، وأن الشعوب لا تنسى جلاديها. ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل سيدفع النظام ثمن ما ارتكب؟ بل: كيف ستكون نهاية نظام جعل من القمع عقيدة، ومن الإرهاب سياسة، ومن الأكاذيب وسيلة للحكم؟ وكل المؤشرات تؤكد أن الحساب الذي طال انتظاره قد بدأ بالفعل، وأن النهاية، مهما حاول تأخيرها، لن تكون إلا بحجم الجرائم التي ارتكبها بحق إيران والمنطقة.


