علي عبيد يكتب:

قليل من الاختفاء

لبنان سيختفي، هكذا حذر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، قائلاً في حديث لإذاعة «آر تي إل»، إن «الخطر اليوم هو اختفاء لبنان بسبب تقاعس النخبة السياسية التي يتعين عليها تشكيل حكومة جديدة سريعاً لتنفيذ إصلاحات ضرورية للبلاد».

كلنا مهددون بالاختفاء يا سيد لودريان، وليس لبنان فقط. الاختفاء أصبح أمراً واقعاً، والتهديد به لم يعد يخيف أحداً. لا نقصد اختفاء البلدان، وإنما اختفاء الشخصية والقرار والكيان.

كانت لدينا بلدان تشغل مساحات على مد البصر، فتم تمزيقها إلى إقطاعيات تحكم كل إقطاعية منها ميليشيا أو حزب أو دولة غازية لها أطماع وخطط غير خافية على منعمي النظر. من كان يتصور أن العراق سيصبح عراقات، وأن سوريا ستصبح سوريات، وأن ليبيا ستصبح ليبيات، وأن اليمن سيصبح يمانات، وأن لبنان سيصبح لبنانات، وعلى الطريق دول عربية مرشحة للإصابة بهذا الفيروس الذي يفتك بالبلدان والكيانات؟

كنا دولاً يختلف قادتها على طاولات الاجتماعات داخل القاعات، فأصبحنا خرقاً ممزقة تتوزع شعوبها على مفارق المدن والقرى والبلدات، ويتربى أبناؤها وسط المخيمات دون قادة ولا زعامات.

كانت لنا مؤتمرات قمة تنعقد وسط الخلافات والنزاعات، تتضاءل إزاءها الآمال والتوقعات، نخرج منها بأسوأ البيانات وأضعف القرارات، فأصبحنا بلا مؤتمرات ولا توقعات ولا بيانات ولا قرارات.

من قال إننا نخشى الاختفاء يا سيد لودريان؟

الاختفاء أصبح واحداً من أمنياتنا التي تتحطم كل يوم على صخور الإحباطات، وعلى أنغام التفجيرات التي تأتي بكم لتنقذونا من خطر الاختفاء ونحن نُخرِج من بين الأنقاض جثث الأموات.

تفجر مرفأ بيروت، وقبله تفجرت آلاف المرافئ والبيوت والمطارات بفعل القذائف والقنابل التي نزلت مثل المطر على رؤوس الأطفال والنساء والرجال الآمنين في البيوت، فماذا حدث.. هل اختفينا؟ ليت هذا حدث كي لا تأتوا اليوم لتحذرونا من خطر الاختفاء.

كانت بيروت مرفأ للباحثين عن الحرية.. كانت حضناً للهاربين من العبودية.. كانت متنفساً عذباً.. فإذا بها تصبح سجناً كبيراً لأهلها، ولحناً حزيناً لمحبيها، وعاصفة من رياح السموم تلوّح الوجوه وتحرق الجلود وتكوي القلوب والأكباد.

كان لبنان خميلة يستظل بفيء أشجارها الهاربون من أوطانهم بحثاً عن أجواء لا تكتم الأنفاس فيها رياح ثقيلة يديرها سجانون عتاة، فإذا بلبنان يتحول إلى سجن كبير لأبنائه الأحرار، تصدر قراراته من خارج الحدود، وينتشر في أرجائه الجنود.

اختفت يا سيدي الوزير هيبتنا، وانتُهِكت كرامتنا، حتى أصبحنا مثاراً لعطفكم وشفقتكم، ومزاراً لقادتكم، جاؤوا لينقذونا من خطر الاختفاء، كأنه ما زال لنا أثر يمكن اقتفاؤه أو ظَلٌّ يمكن اللحاق به.

سيدي الوزير…

نحن أمة اعتادت الظهور والاختفاء منذ أزمان بعيدة، ظهرت واختفت لنا ممالك ودول حكمت نصف الكرة الأرضية. دول كان حكامها ينظرون إلى الغيمة تمر فوق رؤوسهم فيقولون لها: امطري حيث شئتِ فإن خراجك سيأتينا. دول كانت غيماتها غزيرة المطر فأصبحت خيباتها عميقة الأثر.

كانت الدنيا تدين لنا، وكنا بين برهة وأخرى نختفي، فما بالك ونحن ندين اليوم لدول الشرق والغرب، نتلقى أوامرنا منها، وننتظر غذاءنا وشرابنا وفراشنا ولحافنا من خزائنها؟

ليست المشكلة يا سيدي الوزير في الاختفاء، ولكن المشكلة هي كيف نختفي وقد شبعنا اختفاءً وتوارياً عن الأنظار بإرادتنا حيناً، وبإرادة غيرنا حيناً آخر، وبفعل فاعلين، بعضهم معروف وبعضهم الآخر مجهول أحياناً.

تُخوِّفنا من الاختفاء ونحن سادة الاختفاء خلف الشعارات والأعذار عندما تحتدم الأقدار، كأننا خُلِقنا من تراب معجون بخميرة الاختفاء، وكأن غيرنا خُلِق من تراب معجون بخميرة الإخفاء؟

قليل من الاختفاء لا يضر طالما أن الظهور لا يسر. فلا تخوفونا بالاختفاء في زمن أصبح الاختفاء فيه بطولة والظهور نقيصة.

وأنتم أيها المختفون أو المرشحون للاختفاء، لا يخيفنكم هذا التهديد والوعيد. اختفوا ما شاء لكم حظكم العاثر أن تختفوا.. لا تختفوا ما شاء لكم مهددوكم بالاختفاء أن تنقرضوا. تأكدوا أنكم حتى لو اختفيتم برهة من الزمن فإنكم عائدون إلى الظهور، فارضون أنفسكم على كل المنادين بالويل والثبور وعظائم الأمور.

قليل من الاختفاء لا يضر.. ما يضر هو أن يكون الاختفاء خلف ظهور الغرباء المبشرين بالخراب في الأنحاء.

قليل من الاختفاء لا يضر عندما يصبح الاختفاء هو الدواء.