د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):
الملل الحضاري.. أو عندما تتحول الحرب إلى بديل عن المشروع
لا توجد في تاريخ الأمم مرحلة أخطر عليها من الحروب الجالبة للدمار، سواء كانت حروب أرادتها تلك الأمم أو حروبٌ فُرضت عليها. إذا تعمقنا أكثر في حال تلك الأمم ملاحظة وتحليلا يمكن أن نفرق بين أمم قوية جعلت الحروب سوقا للاستثمار في مقوماتها الحضارية وأمم ضعيفة لا تملك معنى لتلك الحروب المفروضة عليها أكثر من الموت بشرف. ويبقى الشرف قيمة تُفسّر داخل كل ثقافة حسب موروثها التاريخي.
لكن المرض الأكثر خطورة على الأمم ليس الانهزام في حروب اختارتها أو فرضت عليها، بل هي تلك المرحلة من السُّبات الحضاري الذي يصيبها، مرحلة حيث لا شيء يحدث، فلا وجود لحدث تاريخي يقلب السكون إلى حركة، والحلم إلى مشروع والشباب إلى وقود، مرحلة حيث تعشّش فيها كل الأفكار المظلمة المشدودة إلى مراسي سفينة الحضارة المكبلة إلى عمقٍ مُظلم، تتلاطمها أمواج الشكّ ورياح التغيير لكنها تتراوح مكانها ولا تتقدم.
المصيبة ليست الحربَ ولا الأزمات الاقتصادية، بل عندما تتأخر ولادة المشروع الجامع، ولا تتشكل معالم ولو خافتة لقطيعة معرفيّة تُمهد لعصر جديد من الفِكر والنّقد والحركة والإنتاج، هنا يتطور نوع آخر من التآكل الحضاري المَنهجي في هيكل الأمة، إنه المَلل الحضاري.
شوبنهاور في وصفه للحالة الإنسانية التي تتأرجح بين الألم والملل، عبّر بشكل دقيق يُقارب الكاريكاتورية عن أحد قطبي الوجود الإنساني، حيث يجتهد الإنسان في تحقيق الرّغبة عبر البحث دوما عما يملأ ملله الفراغي حتى لوكان ذلك في صدمة تعيد أحاسيسه المتبلِّدة إلى الحياة. في علم الاجتماع ما ينطبق على الفرد ينطبق على الجماعات في كثير من نواحيه، فحين تطول فترات الرُّكود الحضاري في الأمم الضعيفة، يُصبح هناك رغبة في البحث عن أي حَدث يمكنه أن يُغير شيئا حتى لو كان ذلك الحدث هو حرب مدمرة.
رواية الفرنسي جوليان غراك Julien Gracq المعنونة: les rivage de syrtes أو ضفاف سيرتا أو سرت. مَثَّلت هذا الملل الحضاري بشكل شاعري وقاتم لكنه واقعي لدرجة تدفع إلى التساءل برعب عن النفس الإنسانية. دولة خرافية تعيش هدنة طويلة مع دولة عدوة متخيلة هي الأخرى، لا حرب فِعلية ولا سلام حقيقي، طقوس ومؤسسات مستمرة باردة حيث يُصبح الجمود هو النّظام، ليتحول الخطر بعد فترة، من العدو نفسه إلى الرغبة المُلِحّة في كسر السُّكون وفقط. تصبح الحرب عند شعوب تلك الأمم ضرورة لكسر الرّتابة بدل أن تكون خيارا استراتيجيا فتكون مجرد انفجار ضد الفراغ الاجتماعي والنفسي أو طقسا في رحلة مقدسة لتحريض القدر.
إذا أسقطنا هذه الصورة على الواقع العربي، نكتشف أن جزءا عظيما من العقل العربي يعيش حالة مشابهة من الانتظار القاتل. لا وجود لثورة معرفية عميقة تحمله نحو إعادة نقد لذاته التاريخية وبناء تصور حداثي لمستقبله. لا مشروع اقتصادي يحمله نحو السيطرة على أدوات الإنتاج. لا سوقا تجارية مزدهرة بكل أنواع السلع المادية والرمزية تبقيه مشغولا في طريق صناعة القوة. كل ما هناك إدارة للواقع الشبيه بنوبة صرع صامتة، ونوع من التسيير البيروقراطي لخطاب كثيف لا يُنتج معنى حقيقي ولا فعلا واقعا.
يمكننا من خلال هذا التقديم فهم مفارقة عضوية في سلوكيات المجتمعات العربية، هذه المفارقة التي تُظهره فَرِحا مَزهوا بأي حرب تشتعل ضد أمريكا أو اسرائيل، وأَغلبها حروب مفروضة عليه موجهة نحوه لم يكن هو المبادر إليها و لم يبحث عنها ولا أرادها. المفارقة مُتمثلة في أن الأضعف هو الأكثر حماسة للمواجهة الرمزية، حتى لو لم يكن إلا متفرجا على الهامش وإخوانه يقتلون.. لماذا؟
محاولة إعطاء تفسير لهذا الأمر ربما يأخذ مساحات لا يمكن لمقال قصير احتواءها جميعا، لكن يمكن تلخيص الأمر بشكل منهجي في ثلاثة أبعاد وإعطاء مثال فيه: بعد نفسي، وبعد اجتماعي بنيوي، وبعد أخلاقي.
يفيد الرّجوع إلى مفهوم "العجز المتعلم" الذي صاغه مارتن سيليغمان والذي يشرح كيف تتراجع المبادرة العملية لدى الشخص عندما يتَعرّض لسلسلة من الاخفاقات لا يستطيع التحكم في مصدرها أو مسبباتها. وهذا الأمر عضوي في المجتمعات العربية التي تخبو فيها روح المبادرة تارة لأسباب مباشرة كثقل الإدارة وضيق مساحة الحرية وضعف الإمكانيات وتارة لأسباب غير مباشرة كمنظومة التصورات والرؤى المسيطرة. لكن الحاجة إلى الشعور بالقوة والسيطرة على الأحداث لا تخبو أبدا، لينشأ نوع من التعويض الرمزي يحمله خطاب ناري، وانتصار لغوي، واحتفاء بأي شيء يُرْبك الخصم مهما كان تافها أو دون أثر، وربما يُفسر الوعي الجماعي الأحداث بنوع من اللامنطق كي توافق رغباته المكبوتة، لتصبح الهزيمة انتصارا والموت غنيمة وتشريد الأطفال والنساء خسائر ضرورية ويصبح التعقل جُبن، والمنطق خيانة وعدو البارحة صديق اليوم وذنب الأمس متجاوز عنه اليوم فقط لأن الفاعل يواجه العدو الأوحد واللّدود.
زيادة على كل التفسيرات النفسية، هناك قراءات متعددة لبنية المجتمع العربي مرتبطة بطبيعة العقل المنتج للخطاب. في رأيي الخاص، أفضل مقاربة منهجية لفهم بنيوية العقل العربي فيما يخص الملل الحضاري، هي مقاربة محمد أركون في جُزئها الخاص بتحليل العقل المُغلق أو ما يسميه أركون "باللامُفَكر فيه". فالعقل الذي لا يعيد قراءة مُسلّماته وتفكيك مَوروثه كلما تغيرت طبقات التفكير وتطورت، سيهيمن عليه الخطاب الإيديولوجي على حساب التفكير النقدي، ليعيد تدوير نفس الأفكار وطرح نفس الحجج وتقديم التفسيرات الجاهزة التي تخضع بدورها لمن يملك قوة الإقناع وأدوات الدعاية وإدارة الخطاب. داخل هذا العُباب من الخطابات الجاهزة والمكررة يخبُو الإبداع وتموت روح المبادرة ويُسيطر الجُمود.
بقي المواطن العربي أسيرا لنظرته الأخلاقية، وذلك باستمراره في إسقاط أخلاقه وضروراتها على غيره وذلك بخلطه بين سلوكياته الناتجة عن قاعدته الأخلاقية الخاصة به وسلوكيات الآخر الذي يملك قاعدة خاصة به. فهو في مناخ الحرب المفروضة عليه، لا يستطيع قراءة خارطة العلاقات الدولية خارج دائرة الأخلاقي أو بمنطق المصلحة، إذ يفترض تحالفات حماية لا وجود لها مبنية على تفسيراته لشراكات عسكرية ذات طبيعة تجارية محضة، أو تصريحات لسياسيين في إطار اللباقة الدبلوماسية، ويفسر عدم تدخل قوة كبرى في صراع عسكري كخيانة أو جبن، متجاهلا بذلك أبسط القواعد التي تدير العلاقات الدولية والتي عبر عنها هانز مورغنثاو Hans Morgenthau بأنها مبنية على المصلحة القومية للدولة ولا وجود للعواطف التضامنية، والدول لا تتحرك خارج هذه المصلحة.
أزمة الشعوب العربية التي تعيش ركودا حضاريا تتمثل بشكل درامي في حقيقة أنها لا تصبر على الحسابات الباردة، بل تبحث دوما عن البطل المخلص الذي يحمل التغيير المفاجئ في شكل انقلاب كوني، ولا شيء أكثر تعبيرا عن المراهقة العقلية التي تعيشها الشعوب العربية من انتظارها للتدخل الصيني أو الروسي في حرب مفروضة عليها من إسرائيل وأمريكا تخصها هي وحدها ولا علاقة لتجار السلاح بها.
هنا وفي هذا المستوى من العرض، يمكن إعادة صياغة الاشكالية المركزية لمقالنا في شكل التساؤل التالي: لماذا يفرح الضعيف بالحرب بدل أن ينشغل ببناء شروط القوة؟
الجواب لا يمكن أن يكون سهلا بل لا يجب أن يكون كذلك. لكن يمكن عرض النقاط التي يمكن توسيعها بالتحليل المنهجي بحيث تكون هي الركائز التي تبنى عليها الإجابة عن الإشكالية.
أولا، لا وجود للشجاعة كقيمة مستقلة، بل هناك فقط الإرادة الفعلية في تحقيق الهدف داخل سياق من الإمكان والممكن، يقابلها خذلان نفسي وفراغ جماعي يشبه مفهوم "الفراغ الوجودي" لفيكتور فرانكل، أين يغيب المعنى وتسيطر الخرافة، أين يصبح التعبير عن الذات إما تَخلٍّ عن المبدأ وانسحاب تام أو شعور بالغضب من كل شيء واستعداء واتهام أي أحد، وفي كلتا الحالتين هو استسلام ثم انتحار.
حينما تعجز الشعوب الراكدة عن إنتاج التغيير البنيوي الذاتي، وصناعة التحول المعرفي، تبدأ في البحث عن الإثارة بدل المعنى، ولذة الصدمة بدل معاناة النهضة، لتجد في الحرب فُرجة وتعويضا عن معاناتها داخل جُمودها، فيصبح الفرح بها وصبغها بصباغ القداسة وتوشيحها برداء خطابي بطولي من التضحية تعبيرا عن الملل الحضاري لا تعبيرا عن القوة الكامنة.
من جهة أخرى الملل الحضاري لا يعني غياب الأحداث، بل غياب التحول، فالمجتمعات العربية في غالبيتها تعيش في ضجيج إعلامي متواصل لا ترى فيه طائلا اقتصاديا ولا سياسيا، لذا وجب على هذه الشعوب أن تعيد تعريف مفاهيم كالأمن والنهضة والعمل والأخلاق، وتعيد تأكيد حقائق كونية طبيعية مثل قيمة العمل التراكمي الذي يبدأ من إصلاح التعليم، وتحرير البحث العلمي، وترسيخ ثقافة النقد والعلاقة بين التاريخ والدين والهوية والعقد الاجتماعي. هذا الأمر يحتاج إلى عمل حقيقي بطيء لا يمنح نشوة الانتصار الفوري، لكنه الطريق الوحيد لصناعة القوة. أما الحروب حتى وإن كانت مفروضة، وجب تعريفها على أنها اختبار للقوة واستثمار فيها وليست مصنعا لها.
السؤال الحقيقي والمؤلم ليس متى سنحارب؟ بل كيف نستثمر تلك الحرب وعلى أي أساس سنخوضها، وقبل أن نسأل هل سننتصر أم نهزم؟ وجب أن نتساءل ما هي الخسائر القصوى التي يمكن تحملها وإلى أي مدى سنخوضها؟ وقبل أن نفرح بالاستشهاد فيها وجب أن نفكر فيمن سيعيش من أهلنا بعدها، أما أن نعامل الحرب كمعنى بطولي وعلاجا لركود وفراغ نفسي فنحن أمام أزمة عقل ضاربة في جذور ثقافتنا، علاجها يكون بقطيعة معرفية تعيد إنتاج المشروع في سياقه الواقعي.


