فريد ماهوتشي يكتب لـ(اليوم الثامن):
الاقتصاد يتحول إلى ملف أمني.. طهران بين ضغط المعيشة واتساع القبضة الأمنية
لم يعد التدهور الاقتصادي في إيران يُناقش داخل مؤسسات النظام باعتباره مسألة مالية أو معيشية فحسب. فالتصريحات الصادرة خلال الأيام الأخيرة تكشف تحولاً واضحاً في لغة السلطة؛ إذ بات التضخم، وسعر العملة، واضطراب الأسواق، وحتى سلوك التجار، يُقرأ من زاوية الأمن والاستقرار السياسي.
وفي 5 أكتوبر/تشرين الأول، حذر رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، من أي تصرف يمكن أن يؤدي إلى «إغضاب الناس»، داعياً في الوقت نفسه إلى الحفاظ على التماسك ومواجهة محاولات استغلال الخلافات الداخلية.
ولم يترافق هذا التحذير مع إعلان خطة اقتصادية كبيرة لمعالجة أسباب الغضب أو تخفيف الأعباء المتزايدة عن المواطنين. وبدت الرسالة الأساسية أقرب إلى إدارة النتائج السياسية للأزمة منها إلى معالجة جذورها: كيف يمكن منع الضائقة المعيشية من التحول إلى غضب اجتماعي أوسع؟
ويصبح هذا القلق أكثر وضوحاً عند وضعه إلى جانب اعترافات اقتصادية صدرت في اليوم نفسه. فقد قال علي بابايي كارنامي، رئيس اللجنة الاجتماعية في مجلس الشورى، إن التضخم في بعض السلع وصل إلى ما بين 150 و160 في المئة، مشيراً إلى أن العمال والمتقاعدين ما زالوا يظهرون قدراً من «التحمل» رغم استيائهم.
لكنه أضاف عبارة أكثر دلالة عندما قال إنه لو كانت ظروف البلاد طبيعية «لحدثت أمور أخرى». وتكشف هذه العبارة الطريقة التي تنظر بها السلطة إلى الأزمة؛ فالمشكلة، من وجهة نظرها، لا تكمن في ارتفاع الأسعار وحده، بل في ما يمكن أن يحدث عندما تنفد قدرة المجتمع على الاحتمال.
وفي الوقت نفسه، تجاوز سعر الدولار في السوق الحرة مستويات قياسية جديدة فوق 270 ألف تومان، ما ضاعف الضغط على أسعار السلع الأساسية، وعمّق تراجع القدرة الشرائية للأسر، وأضعف قيمة الأجور والمدخرات.
ولم تعد لغة «الحرب الاقتصادية» مقتصرة على خطابات المسؤولين السياسيين. فقد وصف قائد قوات الأمن، أحمد رضا رادان، التجار بأنهم «ضباط» في ما سماه الحرب الاقتصادية، ودعا إلى تعاون الشرطة والأسواق لمواجهة الاحتكار والتهريب، محذراً من «اللعب في ملعب العدو».
وحين يتحول التاجر إلى «ضابط»، والسوق إلى جبهة، والتضخم إلى تهديد أمني، تبدأ الحدود بين الإدارة الاقتصادية والسيطرة السياسية بالتلاشي. فبدلاً من التعامل مع الاختلالات باعتبارها نتيجة لسياسات مالية ونقدية وإدارية، يجري نقلها إلى قاموس المواجهة، حيث يصبح الاعتراض أو النقد قابلاً للتفسير باعتباره مساعدة للخصوم.
ولا يقتصر الضغط على المجتمع؛ فقد امتدت الخلافات إلى داخل الحكومة ومؤسسات الدولة، خصوصاً حول إدارة قطاع النفط وعائداته.
وتحولت قضية شبكات الوسطاء، أو ما يُعرف بـ«الأمناء» المستخدمين في بيع النفط ونقل الأموال تحت العقوبات، إلى ملف بالغ الحساسية، وسط حديث رسمي عن عشرات القضايا المتعلقة بأموال لم تُسترد أو التزامات مالية لم تُسوَّ.
كما أعلنت السلطة القضائية أرقاماً كبيرة بشأن قضايا مرتبطة بعائدات النفط والعملات الأجنبية، في حين تبادل مسؤولو وزارة النفط والبنك المركزي المسؤولية عن عمليات البيع والتحويل واستعادة الإيرادات.
وبغض النظر عن التفاصيل الفنية والقانونية لكل ملف، فإن هذه القضايا تكشف مشكلة أوسع: دولة تحتاج بشدة إلى العملات الأجنبية، لكنها تواجه في الوقت نفسه صعوبة في ضمان وصول جزء من عائداتها النفطية إلى الخزينة بصورة منتظمة وشفافة.
ويظهر الخلل نفسه داخل الشركات الحكومية. فقد تحدثت أجهزة رقابية عن عشرات الشركات الخاسرة التي دفعت، رغم ذلك، مكافآت إدارية لمسؤوليها، فيما تعالت داخل الحكومة أصوات تطالب بإبعاد المديرين غير الأكفاء وعدم تحويل شعار «التوافق» إلى غطاء لاستمرار سوء الإدارة.
وتكشف هذه الوقائع أن الأزمة الإيرانية ليست نتاج العقوبات الخارجية وحدها، كما يحاول الخطاب الرسمي تقديمها، بل ترتبط أيضاً بضعف الإدارة، وغياب الشفافية، وتعدد مراكز القرار، والاعتماد على شبكات غير رسمية لتسويق النفط ونقل عائداته.
وتكمن المفارقة في أن اعتراف السلطة بخطر غضب المجتمع يتزامن مع توسيع أدوات السيطرة عليه.
ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول، وافق مجلس الشورى، برلمان النظام، على مادة ضمن مشروع «مواجهة النفوذ الأجنبي»، تمنع الإيرانيين من إجراء مقابلات مع وسائل إعلام تصنفها وزارة الاستخبارات بأنها «معادية»، وتفرض عقوبات جنائية على المخالفين.
وأقر المجلس مادة أخرى تشدد العقوبات على تسليم بيانات رسمية غير منشورة إلى جهات أجنبية من دون ترخيص. وتعكس هذه الإجراءات توسع مفهوم الأمن من المؤسسات العسكرية والاستخباراتية إلى المعلومات والإعلام والتواصل مع الخارج.
وفي الوقت نفسه، عاد القضاء إلى التشديد على تطبيق الحجاب الإجباري، معلناً أن مخالفة القواعد المتعلقة به تستوجب تدخل الشرطة وإحالة الحالات إلى القضاء، مع الحديث عن إجراءات خاصة ضد ما تصفه السلطة بـ«كسر الأعراف».
وهكذا تتحرك الدولة في مسارين متزامنين: تحذر مسؤوليها من استفزاز المجتمع، لكنها توسع في الوقت نفسه الأدوات القانونية والأمنية المستخدمة لضبط الإعلام والفضاء الاجتماعي والسلوك الفردي.
وهذا التناقض ليس عرضياً. فالسلطة تدرك أن الأزمة الاقتصادية تظل قابلة للإدارة ما دام الاستياء فردياً ومجزأً، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول مشكلات الأسعار والأجور والعمل إلى شعور سياسي مشترك بأن مؤسسات الدولة عاجزة عن تقديم الحلول.
ولهذا تكتسب الاحتجاجات الاقتصادية المحلية أهمية تتجاوز حجمها المباشر. ففي مدينة سمنان شمال إيران، على سبيل المثال، تجمع مشترون لسيارات أمام مقر القضاء احتجاجاً على طريقة معالجة نزاعهم مع إحدى الشركات.
وقد يبدو الحدث محدوداً في ظاهره، لكنه يمثل نوعاً من الاحتجاجات القابلة للتكرار في قطاعات ومدن مختلفة، خصوصاً إذا اتسعت أزمة الثقة، وشعر المواطنون بأن المؤسسات القضائية والتنفيذية لا تحمي حقوقهم ولا تقدم لهم حلولاً.
والمؤشر الأهم في الأيام الأخيرة هو تقارب ثلاثة ملفات كانت تُناقش سابقاً بصورة منفصلة: الاقتصاد، والأمن، والرقابة الاجتماعية.
فالتضخم بات يُعامل بوصفه تهديداً للاستقرار، والتجار دخلوا قاموس الحرب الاقتصادية، والإعلام يخضع لقيود إضافية، والحجاب يعود إلى دائرة الملاحقة القضائية، في الوقت نفسه الذي يحذر فيه رئيس القضاء من «إغضاب الناس».
ويكشف ذلك أن المؤسسة الحاكمة تنظر إلى الضائقة الاقتصادية باعتبارها أكثر من أزمة معيشية، وتستعد لاحتمال انتقالها إلى موجة احتجاج اجتماعي وسياسي جديدة.
ولا يعني هذا أن الانفجار أصبح حتمياً أو أن توقيته يمكن توقعه؛ فالنظام يمتلك أجهزة أمنية واسعة وخبرة طويلة في تفريق الاحتجاجات واحتواء بعض الأزمات مرحلياً. لكنه يكشف أن السلطة نفسها باتت ترى الاقتصاد بوصفه نقطة ضعف سياسية يمكن أن تهدد استقرارها.
وعندما تبدأ الدولة في التعامل مع سعر الدولار، ورضا العمال، وسلوك التجار، والإعلام، والحجاب، وما تسميه «النفوذ الأجنبي» باعتبارها أجزاء من معادلة أمنية واحدة، فإنها تعترف ضمنياً بأن المشكلة لم تعد محصورة في الاقتصاد، بل امتدت إلى قدرتها على إبقاء التداعيات السياسية والاجتماعية تحت السيطرة.
فالقبضة الأمنية قد تمنع احتجاجاً أو تؤخره، لكنها لا تستطيع خفض الأسعار أو استعادة قيمة العملة أو إعادة الثقة إلى الأسواق. وكلما اتسعت المسافة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، أصبح ضبط المجتمع بالقوانين والمحاكم والشرطة أكثر كلفة، وأقل قدرة على معالجة أسباب الغضب المتراكم.


